الكورد واللحظة التاريخية

  الدكتور عبدالحكيم بشار

يوم بعد اخر تزداد الثورة السورية قوة من حيث الاتساع والشمولية ومن حيث التعمق والتجذر ومن حيث الاستبسال والتضحية والتصميم والحزم على انتصارها وفي المقابل يزداد النظام ضعفا واكثر عنفا وبطشا وسفكا للدماء، كل هذا وسط تغيرات دولية عميقة تجاه ما يجري في سوريا حيث بات المجتمع الدولي شبه موحد في ضرورة وقف القتل والعنف في سوريا من قبل النظام ورحيله باقصر مدة مع مواقف متباينة تجاه آليات واستراتيجيات وقف العنف ودفع النظام للتنحي وباتت الأحداث متسارعة لدرجة كبيرة قد تؤدي الى رحيل النظام في اية لحظة او تشكيل مجلس وطني انتقالي تكون بمثابة حكومة انتقالية وعلى غرار المجلس الليبي ليكون ممثلا للثورة السورية وللشعب السوري من وجهة نظر المجتمع الدولي
 ازاء هذه التطورات المتسارعة والمتلاحقة التي قد تحصل فيها تطورات دراماتيكية وسريعة لا يزال المجلس الوطني الكوردي متردد في حسم خياراته باتجاه التوافق مع المعارضة السورية وخاصة المجلس الوطني السوري .

ان التروي في اتخاذ القرارات المصيرية ودراستها بعمق ومن كل جوانبها وعدم التسرع فيها امر ضروري ولكن وبنظرة موضوعية الى تطورات الاوضاع داخليا واقليميا ودوليا يتطلب من المجلس الوطني الكوردي اتخاذ خطوة تاريخية من خلال حسم خياراته بالتوافق مع المجلس الوطني السوري وذلك للاسباب التالية : 
1-ان المجلس الوطني السوري هو الاكثر تمثيلا للثورة السورية داخليا وهذا ما يظهر في معظم المظاهرات وفي مختلف المناطق السورية .
2-ان المجلس الوطني السوري اكتسب شرعية دولية وان لم تصل الى حد الاقرار به كممثل شرعي ووحيد للشعب السوري واعتقد انه في الاسابيع القادمة ستظهر تطورات بهذا الاتجاه .
3-وانطلاقا من ذلك فان المجلس الوطني السوري غالبا سيقود وبالتعاون مع المجتمع الدولي المرحلة الانتقالية في سوريا، مرحلة وضع الدستور المؤقت الذي سيشكل الاساس للدستور الدائم، لذلك فالعلاقة والتعاون معه يشكل خطوة ايجابية .
4-والسبب المهم جدا هو ان المجلس الوطني السوري هو الاكثر استجابة لتطلعات الشعب الكردي وفق مقررات المجلس الوطني الكوردي، صحيح انه لم يقر او يوافق على جميع مطالبنا ولكن الصحيح ايضا انه وافق على معظمها وهذا يشكل خطوة ايجابية مهمة في اي اتفاق .
وبناءً على ما سبق اعتقد انه يجب على الكورد اقتناص اللحظة التاريخية بالاتفاق مع المجلس الوطني السوري وبضمانات دولية ليصبح هذا الاتفاق مسودة دستور سوريا الجديد واهم ما فيه هو الاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكوردي الى جانب حقوق اخرى اكثر تفصيلا، وان البقاء مترددين حتى حصول تغيرات في سوريا يعني في جملة ما يعنيه هو البدء من نقطة الصفر في تعاملنا مع الوضع الجديد وبالتالي تراجع سقف الاستحقاقات الكوردية لان الظروف الحالية المعقدة داخليا ودوليا ساهمت بشكل كبير الى تعزيز موقع الكورد في المعادلة التي يجب ان ندركها بعمق وبأن هذا الدور لن يبقى مهما ان بقينا متفرجين دون حسم خياراتنا كما ان هناك نقطة اخرى يجب التنبه اليه بعمق وهو:
ان توحد قوى المعارضة السورية او التفاف معظمها حول المجلس الوطني السوري نتيجة ضغوطات ستمارسها قوى اقليمية ودولية سوف يؤدي الى تراجع دور الكورد والمجلس الوطني الكوردي لدرجة كبيرة وايضا قد يحصل تراجع في استجابة الواقع الجديد لمطالبنا وحقوقنا المشروعة .
لذا فان قراءة اللحظة الراهنة والتعامل معها بحكمة واقتناص اللحظة التاريخية يعتبر شرط ضروري لاحداث تغيير نوعي في واقع الشعب الكوردي في سوريا وانني على ثقة تامة بحكمة قيادة المجلس الوطني الكوردي حزبيين ومستقلين بقدرتهم على التعامل الواقعي مع اللحظة التاريخية والاستفادة القصوى من مجرياتها وتطورها لمصلحة الشعب الكوردي وقضيته في سوريا .


4/3/2012

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي في السياسة، ليست كل المعارك تُحسم بالسلاح، فهناك انتصارات تُولد من كلمة ذكية، وموقف هادئ، وحوار يُدار بحكمة. وهنا تظهر الدبلوماسية بوصفها واحدة من أقوى أدوات التأثير، لأنها قادرة على تحقيق ما تعجز عنه القوة التقليدية مهما بلغت. الدبلوماسية ليست مجرد لقاءات رسمية أو بيانات سياسية، بل هي فن إدارة المصالح، وبناء العلاقات، واحتواء الأزمات قبل انفجارها. إنها…

عبد الجابر حبيب لم يعد الفيسبوك مساحة للتواصل الاجتماعي، وتبادل الآراء فقط، لأنه بكلِّ أسف شديد قد تحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى ساحة مفتوحة للصراعات السياسية والإيديولوجية، يزرع فيها كل طرف بذور الحقد، والكراهية ضد الطرف الآخر. وأصبح بعض الناس يتعاملون مع السياسة بوصفها معركةً شخصية، لا تقبل النقاش، ولا تحتمل الاختلاف، حتى غدا كثيرون أشبه بمحامي دفاع دائمين…

في 29 أيار 2026، ونحن نحيي الذكرى الحادية والعشرين لانطلاقة تيار مستقبل كردستان سوريا، نقف مرة أخرى عند لحظة التأسيس التي لم تكن عبارة عن حدث تنظيمي فقط ، بل تجسيداً حقيقياً لإرادة سياسية وُلدت من رحم المعاناة الكردية ومن الإيمان العميق بأن سوريا الجديدة لن تبنى إلا على قاعدة الديمقراطية والتعددية والاعتراف المتساوي بحقوق جميع مكوناتها. لقد أدرك مؤسسو…

ماهين شيخاني مقدمة: الإعلام رسالة… لا منصة للانتقام لطالما كان الإعلام الكوردي واحداً من أهم أدوات النضال، منذ صحيفة “كوردستان” عام 1898، وصولاً إلى آلاف المنصات الإلكترونية اليوم. لكن التحول الرقمي، رغم إيجابياته، فتح الباب أمام ظاهرة خطيرة: تسلل الانتهازيين والمتسلقين إلى المشهد الإعلامي، ليس لخدمة القضية، بل لتصفية حسابات شخصية وتشرعن مواقف لا أخلاقية ولا نظامية.   هذا المقال…