تركيا متورطة في الدم السوري

فؤاد عليكو

إن المتابع للسياسة التركية منذ بداية الثورة السورية وحتى اليوم يدرك بوضوح أنها عملت  ومنذ اليوم الأول على خط التصعيد بشكل ملفت وغير معقول، واعتبرت أمن سوريا من أمن تركيا وإنها لن تسمح أن تتكرر حماة ثانية في سورية واتصلت بالمعارضة السورية وعلى أعلى المستويات وبدأت بعقد المؤتمرات الماراتونية على أراضيها كل عدة أيام ولم يعد احد يعرف عددها ولا شخصياتها وكانت تترافق دوما مع تهديدات عسكرية وإنشاء مناطق عازلة …..الخ من الوعود المعسولة ، ولم تكن تبخل على المعارضة بحفنة يسيرة من الدولارات تكفي لتسديد فاتورة فندقه وسهراته فقط ، ونتيجة لذلك سال لعاب الكثيرين من معارضة الداخل ولجأوا إلى اسطنبول هربا من ساحة المعركة وتحت ذريعة حضور مؤتمر والعمل في القلعة الخلفية للثورة ــ تركيا –
وبذلك دفعت بالمعارضة إلى التصعيد أكثر وقطع كل أمل للحلول الداخلية وعسكرة الثورة وهذا ما كان يتمناه النظام السوري وعمل من أجله منذ الانطلاقة الأولى للثورة في مدينة درعا وأن هناك إرهابيين ومندسين وأخوان مسلمين وأيادي خارجية…الخ كل ذلك من أجل تبرير قمعها للشعب السوري بالوسائل العسكرية وكانت تستشهد كثيرا بالتصريحات والتهديدات التركية لتبرير سياستها ومعالجتها الأمنية تجاه ثورة الشعب السوري وبعد أن وصلت المعارضة إلى نقطة حرجة وحاجتها الماسة إلى الدعم اللوجستي وفي جميع المجالات أدارت تركيا ظهرها للثورة خاصة بعد زيارة وزير خارجيتها إلى طهران وعقدها صفقات لانعرف مداها، وبدأنا نسمع تصريحات باهتة لا لون لها ولا طعم تجاه الثورة ثم بدأت بالاختباء تحت عباءة الجامعة العربية ومواقف الدول العربية لا أكثر والتي تناولت الأزمة متأخرا بعد تصعيد تركي خطير وغير مفهوم وتعقيد للأزمة، ولماذا لم تترك الملف للجامعة العربية منذ البداية ؟ لربما كنا اليوم في وضع أفضل لأن ما كان ممكننا في شهر آذار من حلول تصبح غير ممكنا في الشهر الذي يليه وهكذا أي أن الجامعة العربية نأت بنفسها في البداية وتركت تركيا تتصرف وكأنها صاحبة الحق في سوريا ومع ذلك فإن المبادرة التي تقدمت بها الجامعة العربية كانت تعتبر المبادرة الوحيدة والعملية لصالح المعارضة والنظام والشعب السوري ككل لو قام النظام بتنفيذها بكل بنودها عمليا على الأرض ودون ممارسة سياسة الالتفاف هنا وهناك لكنا اليوم أمام وضع مختلف تماما عما وصلنا إليه بعد الفيتو الروسي–الصيني حيث تحولت سوريا إلى ساحة مكشوفة تماما للصراع الإقليمي والدولي وإحياءً للحرب الباردة دوليا وتصفية حسابات إقليمية على أرضية طائفية مقيتة يعود بنا 1500عام إلى الوراء0
وهاهي تركيا قد عادت إلى الواجهة مرة أخرى وبعد غياب أو تطنيش لمدة ستة أشهر لتطلق مبادرة جديدة (بديلا عن المبادرة العربية أو نزعها من يدهم) لاستمرار الأزمة وإراقة الدم السوري بغزارة وذرف دموع التماسيح علينا وهي تبغي من وراء ذلك إظهار نفسها لدى الغرب بأنها حامية للسنة المسلمين أملا منها في الحصول على بعض الامتيازات مثل انضمامها إلى الاتحاد الأوربي ،خاصة بعد تنامي دور الإسلامي السياسي في المنطقة العربية،وكذلك إخفاء عجزها في معالجة القضية الكردية لديها وهم أيضا مسلمون وسنة بنفس الوقت ويبلغ عدد سكانهم سكان سورية وتمارس بحقهم أقصى السياسات العنصرية منذ قرن من الزمن وكذلك ركوب موجة التغيير العربي  الكبير بغية كسب ودهم وإفساح المجال إمام شركاتهم الاستثمارية وتجارتهم مع تلك الدول بعض التغيير ودون إن تخسر شيئا وبعد إنهاك البنية التحتية لها كي تصبح تلك الدول سوق تصريف وعمل لها على المدى الطويل، لذلك يتطلب بالجامعة العربية والمعارضة أن تكون حذرة من الدور التركي وان لا تسمح لها بلعب دور المرشد في الأزمة السورية  وأن لا تترك مبادرتها وتتركها رهينة السياسة التركية فهي لم تقدم شيئا للثورة منذ سنة سوى الكلام الأجوف ولن تقدم في المستقبل سوى رغبتها في توسيع رقعة الأزمة والمزيد من التعقيد كما أن النظام ومن مصلحتها قبول المبادرة العربية وتنفيذها عمليا على ارض الواقع ، وعدم الارتهان على الدور الإيراني فإيران ليست أقل سوءا من تركيا كل واحد منهم يريد إن يكون له نصيب في الكعكة العربية ولا يستبعد إن يكون هناك تفاهم ضمني بين الاثنين لتوزيع الأدوار في استنزاف الطاقات العربية والأيام القادمة كفيل بكشف المزيد من الحقائق.

(للحديث عن إيران بقية)
في قامشلي10/2/2012 

 * عضو مجلس الشعب السوري سابقا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف بشار الأسد بين خياري المواجهة: الاعتذار أم إعلان الحرب؟ نتذكر جميعاً كيف أنه في آذار 2011، تعرّض أطفال في درعا للتعذيب داخل فرع أمني. كما نتذكر أن المسؤول المباشر كان رئيس فرع الأمن السياسي المدعو عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، الذي نُسب إليه تعذيب أطفال درعا، بدعوى كتابتهم على أحد الجدران عبارات تستهدف بشار الأسد. تلك الواقعة…

صلاح عمر في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة كما تتكاثر الخرائط المزوّرة، وتُعاد فيه صياغة اللغة لا لتقول الحقيقة بل لتخفيها، يصبح الدفاع عن الاسم دفاعا عن الوجود ذاته. فالأسماء ليست حيادية في التاريخ، وليست مجرّد إشارات لغوية بريئة، بل هي عناوين للذاكرة، وشفرات للهوية، ومفاتيح للحق. حين يُستبدل اسم كردستان بتعابير فضفاضة مثل «أخوة الشعوب» و«الأمة الديمقراطية» و«الاندماج الديمقراطي» و«شمال…

نورالدين عمر تتصاعد في الآونة الأخيرة أصوات بعض الناشطين والمثقفين المطالبة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من اتفاقية 10 آذار، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو البديل الواقعي؟ إن الاندفاع نحو الانسحاب في ظل هذه الظروف المعقدة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، منها: ماذا لو تحالفت السلطة في دمشق مع أنقرة لشن هجوم منسق على مناطق شمال…

هجار أمين في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم،…