آذان تحت قبة البرلمان

د.

آلان كيكاني

كثيراً ما ينتابني شعور بالخوف والقلق على مستقبل شعوب منطقتنا الثائرة ضد جلاديها منذ ما يربو عن السنة بيد أنني من المناصرين لهذه الثورات منذ انطلاقتها ولم أزل على موقفي حتى هذه اللحظة , ولكن الهاجس الذي يعتريني لا يتأتى من فراغ , وإنما من يقيني الذي يزداد يوما بعد آخر أن العلة في شرقنا لا تكمن في الأنظمة الاستبدادية الدموية فحسب وإنما تتجسد بالدرجة الأولى في ثقافة مهترئة لا يمكن أن تتأقلم مع العصر وتلبي طموحات الأجيال الصاعدة , تلك الثقافة التي بوصلتها دائماً تشير إلى الماضي بتفاصيله دون اعتبارات للحاضر والمستقبل.
كم مرة لعنت حسني مبارك , وكم مرة شتمته وأنا أرى الملايين من المصريين يتجمعون في ميدان التحرير في القاهرة ويهتفون بشعارات طاهرة نظيفة بعيدة عن الطائفية والمذهبية , وكم مرة أثنيت على الثوار وهم ينشدون الحرية والكرامة والديمقراطية للشعب المصري على اختلاف ملله ونحله .

لم أدرك وقتها أن الذئاب الانتهازيين يربضون خلف المظاهرات يلبسون أثواب النسّاك ويتحينون الفرصة للانقضاض على  ثمار الثورة واستغلالها .

فما كاد الوضع أن يهدأ قليلاً في مصر حتى برز هؤلاء وكشفوا عن وجوههم القبيحة وفكرهم المتخلف الذي يريد أن يجر مصر إلى الهاوية.
أجد نفسي مضطراً في هذه الأيام للترحم على حسني مبارك وأيامه وأعتذر له عن مسباتي وأنا أرى الإسلاميين تارة يقودون فناناً من وزن عادل إمام إلى المحاكم ويحكمون عليه بالسجن بذريعة التطاول على الرموز الدينية ويخرجون على الملأ تارة أخرى ليفتوا أن وجه المرأة مثل فرجها ويجب ستره , بل وزادوا في تطرفهم حد رفع الآذان في مجلس الشعب.


فمنذ أيام وفي جلسة علنية في البرلمان المصري كان يتم فيها النقاش بين الأعضاء لدراسة الوضع في مصر بعد أحداث بور سعيد الدامية كان هناك نائبٌ ينظر إلى ساعته كل دقيقة , وفجأة ودون إذن أو مقدمات نهض من على كرسيه ورفع آذان العصر بصوت جهوري دون أن يأبه لصرخات المحتجين من زملائه ودعوات رئيس المجلس له بالكف عن فعله وإنما استمر الرجل في الآذان وكأنه منقطع عن العالم الخارجي حتى أتمه .

هذا السلفي العتيد والبرلماني المؤذن الذي دخل حديثاً إلى مبنى البرلمان ليؤذن فيه لا يختلف عن ذاك الأعرابي الذي دخل أول مرة إلى المسجد النبوي أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وجعل يبول فيه فأخذت الصحابة غيرة وصاحوا به وزجروه وهموا بضربه إلا أن محمداً دعا أصحابه قائلاً : لا تزرموه , أي لا تقطعوا عليه بوله , ثم أمرهم أن يصبوا على بوله ذنوباً , أي دلواً , من الماء  ثم دعا الأعرابي وقال له: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من القذر , وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن وذكر الله .

والبرلمان أيضا لا يصلح فيه الآذان والصلاة وإنما هو لمناقشة مشاكل الأمة وأحوال الرعية بغية تحسين أحوالهم عن طريق سن القوانين الكفيلة بذلك ناهيك عن أن البرلمان فيه المسيحيون والملحدون إلى جانب المسلمين فلا يجوز احتكاره دعائياً لدين أو مذهب بعينه .

من الواضح أن هذا البرلماني والمؤذن كان يريد أن يمتن على الله بأنه أول من رفع الآذان في مجلس الشعب المصري تطبيقاً للحديث النبوي المعروف : ” أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : نُصرت بالرعب مسيرة شهر , وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل , وأُحِلَت لي المغانم ولم تُحل لأحد قبلي , وأُعطيت الشفاعة , وكان النبي يُبعث إلى قومه وبُعثت إلى الناس عامة “.

 ففي رأيه أن النص الديني يسمح له بالآذان والصلاة أينما كان مادام وقت الصلاة قد حان لذلك عليه تطبيقه فهو لا يأبه بما حوله وكأنه ساعة منبه ترن إذا جاء الوقت الذي عُيرَت عليه .

السلفي والأعرابي في كليهما كفر ونفاق وجهل وفظاظة وعجرفة وسوء خلق , وتيهانٌ وسوء توجه فذاك بال في أرض مخصصة للصلاة وهذا دعا إلى الصلاة في مجلس مهيء لنقاش أحوال الرعية ووضع القوانين لهم , ذاك لا يميز بين المسجد والمرحاض وهذا لا يفرق بين بين المسجد والبرلمان فبماذا يختلف هذا عن ذاك ؟ وعليه وإذا لم تضع الحكومة المصرية حداً لهكذا ناس فإن غداً ستشهد الماضرات الجامعية الآذان وإقامة الصلاة في قاعاتها ومخابرها وقد تتملك الغيرة مسيحياً فيدخل معه ناقوساً إلى قاعة مجلس الشعب ينادي به المؤمنين إلى الصلاة وسيغدو الأمر فوضى لا يتحملها العقل .

لعل منظر السلفي وهو يؤذن في البرلمان وفي نقل حي من وسائل الأعلام لهو من أقبح المناظر التي يمكن للمرء أن يراها في مصر بعد الثورة وهو دليل الطيش والتهور والاندفاع اللامحسوب المميز السلفيين .

ومن المؤلم أن يتخيل المرء أمام هكذا مشهد أن غياب القبضة الحديدية عن شعوبنا قد يلقي بها إلى أتون التطرف والعصبية ما دام الماضي هو الذي يحركهم .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمار عبد اللطيف يتحضر السوريون الأكراد للاحتفال بعيد “نوروز”، الذي يأتي هذا العام في أجواء مختلفة بعد إقراره للمرة الأولى عيداً رسمياً في البلاد، عقب عقود من منع الاحتفال به من قبل النظام المخلوع. إلا أن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ستغيّر هذا العام وجه الاحتفال وشكله. ويترقب كثير من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الوجود الكردي،…

لوند حسين* يُقدَّم المطلب الكُردي في كثير من الأدبيات السياسية السائدة في الشرق الأوسط، ولاسيما أوساط الأنظمة الغاصبة (المُحتلة) لِكُردستان بوصفه تعبيراً عن نزعة «انفصالية»، غير أن هذا التوصيف يثير إشكالية مفاهيمية عميقة، إذ إن مفهوم الانفصال يُفترض وجود وحدة سياسية وطنية قائمة يسعى طرفٌ ما إلى الانفصال عنها؛ ففي الحالة الكُردية، تبدو الصورة التاريخية أكثر تعقيداً؛ فالمُطالبة الكُردية لا…

هوزان يوسف الجغرافيا الزمانية للألم والأمل لا يمثل شهر آذار في الوجدان الكردي مجرد حيزٍ زمني في تقويم السنة، بل هو “جغرافيا زمانية” استثنائية تختزل سردية شعبٍ بأكمله. في هذا الشهر، تتقاطع خطوط المأساة مع خطوط الانبعاث، ويتحول التقويم إلى سجلٍ مفتوح من الفقد والبطولة. بالنسبة للكردي، آذار ليس شهراً عادياً؛ بل…

أغيد أبو زايد للعام الخامس عشر على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى انطلاق الثورة السورية التي تصادف في الثامن عشر من آذار من كل عام، حيث انطلقت الثورة في هذا اليوم بعد أن مرت بإرهاصات خلال الأشهر التي سبقت هذا التاريخ، مهدت الطريق أمام احتجاجات شعبية سلمية طالبت بإصلاحات واسعة، قبل أن يرفع السوريون سقف المطالب بإسقاط النظام، بعد أن…