في وصف حالتنا

عبداللطيف الحسيني
غسان جانكير
عامودا

الجامعُ الكبير بُني في وسط مدينتنا ليكونَ مكانا للجمع بين المصلين وتدوير النقاشات الفقهية واللغوية والاجتماعية قبل حوالي مئة عام, غير أنّ هذا الجامع بات يفتقد ويفتقر إلى تلك الجموع في وقت يكون الأهالي بأمس الحاجة إليه وكان من المفروض دينيا ودنيويا أن يقوم بدوره كجامع لمختلف الآراء والتنسيق بينها, لا كمكان مقدس وإنما كمكان جامع .

 

لقد تغيّر جمعُ المحتشدين حول هذا الجامع منذ بدء المظاهرات في مدينة عامودا, هذا التغييرُ في مفهوم الجامع تغييرٌ كليّ بالنسبة للمتجمهرين حوله (ولم نقل الدخول فيه) الذين قدِموا ليصرخوا ويحتجوا أمامه وبجوانبه لا لينصتوا إلى أن الصلوات تنهي عن الفحشاء والمنكر, بل لينصتوا إلى منشدين فُُجّرتْ حناجرُهم بإزالة الفحشاء والمنكرات التي طالت إنساننا منذ عقود كأنهما قضاء أبديّ مبرم على رقاب بسطائنا قبل مُترفينا , هذا يعني أنّ المفهوم الديني بعيدٌ عن هؤلاء , فقط ما جمعهم هو الجامعُ – المكان – المُقام في وسط المدينة.
كان يومُ الجمعة يومَ عرسٍ حقيقيّ حولَ هذا الجامع , حيث النساء والرجال بمختلف أعمارهم وأفكارهم وألوانهم يضجّون غناءً وشعارا حارّا وغنيًّا وهادرا حولَ هذا المكان , الكلُّ كان يُبدعُ بطريقته : شعارا وإنشادا و رسما ورقصا قبل الُفُرقة التي شتت الجمعَ الواحد إلى جمعين ….

فثلاثة جموع في ثلاثة أمكنة مختلفة ,  ولا ندري بأننا سنقول في مُقبل الأيام بأن الجموع الثلاثة سوف تتفرّق إلى جمع رابع ….

فخامس ما لم يتدخل الحكماءُ منّا لجمع وتوحيد الصفّ المتفرق ,  وما لم يدرك كلُّ طرف بأنه قد خسر الطرفَ الآخر الذي لو تجمّع في مكان واحد لرأينا الحشودَ في عامودا في وقتٍ واحد ومكان معلوم هو يومُ الحشر بعينه وهذا ما يقوله مَنْ يحلُّ ضيفا على عامودا في يوم الجمعة قبل تفرّق الحشود إلى ثلاثة .
الألمُ الغائرُ والأعظم يكون لدى الحياديّ بينَ الأطراف الثلاثة الذين تفرقوا وتركوا مكانا واحدا , ذاك الحيادي ترك أصدقاءَ كُثُرَأ في الأمكنة الثلاثة , ففي يوم الجمعة يتفتتُ هذا الحيادي والألمُ يكسره و يذبحُه ويمضه ويقض تفكيره ويشلّ جسده حين يكون مبددا بين تلك الأطراف ولا يعلم إلى أي منها ينضم ليصرخ ويحتج كما كان في أول عهده بالمظاهرات , ذاك الحيادي يصبُّ كل خلاف على نفسه قائلا : كان حريًّا بي أن أجمعهم وأوزّع خبز المحبة بينهم لا أن أتبدّد معهم , ذاك الحيادي يصرّح ما بداخله بأنه الأكثر تعبا وإنهاكا , دون أن ننسى أن ثمة حياديا آخرَ بات يحجز نفسه قسرا في بيته في يوم الجمعة , إذن ما أعظم وطأة التفرّق بيننا , ومن المعلوم أنّ التفرّق هو العدو اللدود لجميع الأطراف , وهذا هو أدقُّ وصفٍ لحالتنا التي لا يتمناها لنا مَنْ اتخذ التفرق طريقا وحيدا للسيطرة علينا من جديد , وكنا قد نسينا أن اللون الواحد أو الصوت الواحد بات من الماضي الذي لن نلتفت إليه .
ليس بجديد أن نقدّم حلا لوصف حالتنا هذه وقد كرّرناه في كل نقاشاتنا التي لم يمرَّ يومٌ إلا وقلناه بالصوت الصارخ والمؤلم والمبحوح , الحل هو التالي بكل سهولة : الكلُّ يتجمهر في مكان واحد والكل يرفع ما يريده دون أن يقصيه طرفٌ آخر .
أنقذونا من حالتنا فنحن مُشتّتون .
للتواصل :
alhusseini66@gmail.com

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…