بين خيمة البدوي ومطار أربيل الدولي

د.

آلان كيكاني

حين تناهت إلى مسامعي ما تعرض له الدكتور عبدالرزاق عيد في مطار أربيل تداعت إلى مخيلتي قصة الأعرابي وضيفه المنكوب الذي لجأ إليه في زمن العباسيين , ولكن مع فارق كبير في طريقة  التعامل وأسباب الجوء , تلك القصة التي درسناها في إحدى المراحل الدراسية والتي جوهرها أن أعرابياً عراقياً حل عليه ضيف غريب يطلب الأمن والحماية لأن هناك من يطلب دمه لثأر عليه , فأكرمه الأعرابي وبنى له خيمة بالقرب من خيمته دون أن يسأله عن تفاصيل مشكلته أو عن أصله وبلده مراعاة لكتم سره الذي إذا فُضح قد يستدل عليه طالبو دمه .
 ولكن الضيف لاحظ من أول أيام إقامته أن مضيفه الأعرابي يركب حصانه ويغيب لأسابيع عديدة ثم يعود إلى بيته ليستقر فيه عدة أيام ثم يعاود غيابه مرة أخرى وهكذا لمدة طويلة حتى تملكه فضول بالسؤال عن سر الأعرابي .

فاستغل لقاءً معه ليسأله عما يرمي إليه بغيابه المتكرر عن بيته فقال له الأعرابي : اعلم أيها الضيف العزيز أن والدي كان في تجارة في الشام قبل مجيئك إلينا بأسابيع واختفى هناك , وحين اقتفيت اثره تبين لي أن رجلاً شامياً قتله ومن يومه أتردد إلى الشام بين الحين والآخر بحثاً عن قاتل أبي لأنتقم منه .

وعند السؤال عن التفاصيل اتضح للضيف جلياً أنه هو نفسه القاتل , فهو الذي قتله في الشام لطمع في ماله وهرب إلى العراق ليبتعد عن موطن الجريمة وأهل المقتول حسب توقعه .

وما كان منه إلا أن كشف عن رقبته لمضيفه وقال له ها هو قاتل أبيك أضرب عنقه بالسيف فإن القدر جاء بي من الشام إلى هنا لأختفي في بيت من قتلته دون علم مني لأنني لم أكن أعرف أن من قتلته هو غريب عن البلد أصلاً .

وهنا سرت دماء النخوة والمروءة في عروق البدوي وقال : ما نحن من نقتل ضيوفاً لجأوا إلينا يطلبون الاحتماء بنا وإن كانوا قاتلي أبينا فاذهب فإني سامحتك وأنت بريء من دم أبي .

أما كان يتصرف موظفو مطار أربيل بنصف ما تصرف به الأعرابي العراقي منذ ألفٍ من السنين رغم أن السيد عبدالرزاق عيد لم يقتل أبا أحد منهم بل كرس الرجل جزءً من حياته دفاعاً عنهم في أيام عصيبة من تاريخ كردستان العراق ؟ هب أن السيد عيد لا يحمل تأشيرة دخول ولا حتى دعوة من ممثلية حكومة إقليم كردستان , هل هناك مبرر للتعامل معه بالطريقة التي ذكرها ؟ سيما أن هيئته وسنُّه لا يوحيان أن الرجل يجلب معه مشكلة ما للإقليم , فهو ستيني وحسن المظهر ولا يلتحي بلحية سلفي إرهابي ولا يحمل ملامح بعثي عنصري , ليس شكله شكل متسول يبحث عن مال ولا متشرد يروم ملجأً , ومن كلمتين من فمه سيكتشف المرء أنه يحمل ثقافة وقيماً عليا , فلمَ حدث بحقه ما حدث ؟
هل هؤلاء هم نحن الأكراد ؟ وهل هذه هي قيمنا ؟
نعامل بهذه الطريقة المهينة ضيفاً أحبنا ودافع عنا يوم كان أطفالنا يختنقون من فعل السلاح الكيماوي ويوم كان البعثيون العنصريون يتشفون منا في سوريا والعراق .
ألا يحمل هذا المطار رمزية ما , على أنه واجهة أو مضافة للبازاني الخالد الملا مصطفى الذي أفنى عمره من أجل حقوق شعبه , وأن ضيفه يجب أن يُحترم مادامه لا يحمل أي حقد تجاه شعبه بل يحمل معه الحب والاحترام ؟
طالما راودتنا – نحن الكرد – فكرة وردية منذ طفولتنا وهي أن كردستاناً محررة لو كانت في يوم من الأيام ستكون مثلاً للحرية والديمقراطية والتسامح ومنبعاً للفكر والثقافة وملجأ لأحرار العالم وقبلة للشعوب المضطهدة , لا لموّرثة ذهبية تميز خلية الإنسان الكردي , بل للظلم والاضطهاد الذي مورس بحقه طيلة قرابة قرن من الزمن وصل إلى حد استخدام السلاح الكيماوي ضده أملاً في إنهاء وجوده على سطح الأرض .

إلا أن وقائع كثيرة ومنذ سنوات أثبتت أن الفكرة التي كنا نحلم بها ما كانت إلا اضغاث أحلام بعيدة عن الواقع وأننا الكرد لسنا سوى شريحة من هذا المجتمع الشرق أوسطي بكل علله , بثقافته المهترئة  وسلوكه العنيف الذي يحتاج إلى الكثير من الصقل والتشذيب .


حقاً أن ما حصل لا يمكن تبريره .

أن تدعو صديقاً إلى بيتك لفائدة لك وعندما يطرق بابك تصد الباب  في وجهه وتمنعه من الدخول .

هل يمكن لذي عقل أن يتقبل هذا الفعل ؟ وخاصة إذا كان صاحب الدعوة هو السيد عبدالزاق عيد ذو الشهرة والصيت الكبيرين في أوساط الكرد السوريين ويكاد يكون المثقف السوري الأول الذي يعترف بحق الشعب الكردي في جميع أجزاء كردستان وهو الذي أدار وجهه إلى الكرد وأيدهم يوم أدار المثقفون العرب ظهرهم للقضية الكردية وعادوها .

وإذا كانت سلطات الإقليم استهترت بشخص هذا الرجل فماذا عنا نحن الكرد السوريين ؟ أما كان يجب احترام السيد عيد من أجل سواد عيوننا نحن الذين نكن له الحب والاحترام ؟ ألا تعني إهانته إهانة الكرد السوريين ؟

كان على موظفي مطار أربيل أن يتحلوا ببعض ما كان عند البدوي الذي صفح عن قاتل أبيه , فلو كانوا يحملون شيئاً من خصاله لما فعلوا بالدكتور عبدالرزاق عيد ما فعلوه لنكون الآن في موقف الخجلان منه .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…