الأسد إذ يتبرأ من المسؤولية… إنجو سعد فقد هلك سعيد

عريب الرنتاوي

تبرّأ الرئيس السوري بشار الأسد من المسؤولية عمّا تفعله قواته…هو لا يملك سوريا ولا يملك جيشها، لذا فالقوات التي تعيث قتلاً وتنكيلاً، ليست قواته….تصريح دفع إلى صدارة الذاكرة بعبارة: إنجو سعد فقد هلك سعيد؟!
لا أدري ما الذي حدا برئيس دولة، هو في الوقت ذاته، القائد الأعلى لجيشها وقواتها المسلحة، والأمين العام لحزبها الحاكم، قائد الدولة والمجتمع، وفقاً للمادة الثامنة من الدستور…لا أدري ما الذي حدا به للتنصل من المسؤولية، والإصرار على الظهور بمظهر “آخر من يعلم”… هل أراد الرجل أن يبعث برسالة للعالم بأنه مغلوب على أمره، وأن مقاليد السلطة والقرار موجودة في مكان آخر، وبين أيادي أخرى…أين هو ذاك المكان؟..من هي تلك الأيادي، وهل يظن الرئيس أنه بذلك غسل يديه من دم السوريين؟
لا أدري هل هي زلّة لسان من زلّات لسانه العديدة…أم أن الرئيس الشاب وقع في شباك صحفية مخضرمة “باربرا وولترز”، نجحت في استدارجه ودفعته للبوح بما استعصى عليه قوله من قبل؟…هل بات الرجل مسكونا بشبح “لاهاي” ومحكمتها الجنائية الدولية؟…هل قالها الرجل من تلقاء ذاته، أم أن أقواله هذه جاءات استجابة لنصيحة قانونية ربما يكون تلقاها من مستشار أو “مقرب” وفي ذهنه إدارج المقابلة في “ملف القضية” ذات يوم.

لا يليق بالرجل الأول في الدولة والحزب الحاكم والجيش، أن يتنصل من المسؤولية عن أعمال قام بها مرؤوسيه، حتى وإن لم يكن على علم بها، أو لم يكن قد أصدر بشأنها أوامر وقرارات…ولا يمكن الركون إلى فرضية “الرئيس الضعيف والمختطف من الحلقة الضيقة التي تحيط به”، باعتبارها طوق نجاة للرئيس ووسيلة للتنصل من المسؤولية والتبعات…هذه ليست من شيم القادة ورجالات الدولة والزعماء.

من موقعه على رأس الولاية العامة للدولة، يتحمل الأسد شخصياً وزر ما تشهده البلاد وما يتعرض له العباد من انتهاكات وجرائم…إن لم يكن لأنه أمر بها، فلأنه لم يوقفها عجزاً أو تواطؤاً…وحتى بالأخذ بفرضية “العجز” و”قلة الحيلة”، فالرجل مدان أيضاً، لأنه لم يفكر بخيار الاستقالة من منصبه…وكيف لنا أن نصدق أن الرئيس قوي بما يكفي لإطلاق وقيادة “برنامج الإصلاح” الذي تتحدث عن دوائره، وأنه في الوقت ذاته، ضعيف إلى الحد الذي لا يمكنه فيه أن يصدر أوامر بوقف القتل والتنكيل….لا يمكن أن تكون رئيساً وصاحب قرار في “الغُنم” وأن تتنصل من ذلك في “الغرم”.

تصريحات الأسد، تشي بالوضع الداخلي في سوريا، وأقصد داخل الحلقات الضيقة للنظام….إذ خلف التصريحات “الواثقة” التي تصدر عن كبار المسؤولين، وبالأخص عن حلفائهم في لبنان والأردن، تبدو “الروح المعنوية” للقيادة في أسوأ حالاتها، ويبدو التفكير في مرحلة ما بعد الأسد، مهيمناً على تفكير وهواجس القيادة…بل ويمكن الجزم في ضوء هذا التصريح بالذات، إن هاجس “المصائر الشخصية والعائلية” بدأ يطغى على ما عداه من هواجس وحسابات ومخاوف.

وتعيدنا تصريحات الرئيس الأسد، إلى تصريحات غريبة، صدرت قبل أسابيع عن مفتي الجمهورية الشيخ أحمد حسون والتي قال فيها أن الرئيس يرغب في مزاولة طبابة العيون، وأنه لن يبقى رئيساً للأبد في سوريا، وهو التصريح الذي أثار لغطاً في حينه، حول ما إذا كان “مسرباً” من قبل أوساط الرئيس نفسه، أم أنه “زلة لسان” أخرى تُضاف إلى زلات اللسان الكثيرة التي تعانيها الدبلوماسية السورية هذه الأيام.

خلاصة القول، يبدو أن القيادة السورية قد بدأت تدرك فعلاً أن خياراتها الأمنية والعسكرية قد وصلت إلى طريق مسدود…هي لم تعد تدري كيف ستتحرك…مواصلة هذا الطريق لن يترتب عليه سوى مزيد من الجرائم وتغليظ العقوبات استتباعاً…والعودة عنها بعد كل هذا المسلسل الدامي والعزلة العربية والدولية، بات أمراً صعباً، خصوصا في غياب أي “طوق نجاة” حقيقي للنظام.

ربما هذا ما يفسر تكرار القول هذه الأيام، وعلى ألسنة مراجع إقليمية ودولية عديدة، بأن النظام بلغ طريقاً مسدوداً، وأن أيامه في السلطة باتت معدودة…وأن سوريا مقبلة على صفحة جديدة من تاريخها، قد يكون العنف والانقسام المذهبي هو عنوانها الرئيس، بدلالة ما يجري في حمص من “قتل على الهوية”، فليس كل من يقتل يومياً هناك، يسقط برصاص الجيش والشبيحة…كثير من القتلى يسقطون بنيران العنف المذهبي المتبادل، وبصورة تذكر ببواكير الحرب الأهلية في لبنان 1975 والعراق 2005.

مركز القدس للدراسات السياسية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس طرق أبواب حيتان الفساد في العراق ليست عملية سهلة ولا عابرة، فهي لا تعني فتح ملفات مالية فقط، بل تعني الاقتراب من بنية عميقة تشابكت فيها السلطة بالمال، والميليشيا بالحزب، والقرار الإداري بالولاء الخارجي. نحن لا نتحدث عن دولة فقيرة، بل عن دولة مرّت عليها خلال عقد واحد ثروة تكفي لإعادة بناء العراق…

مصطفى عبد الوهاب العيسى   في جميع دول المنطقة ، وخلال الأشهر الأخيرة بشكل خاص أصبحنا نلاحظ حالة من التخبط في السياسات الكردية التي تنتهجها النخب والأحزاب الكردية ، وتبعاً لعمر الحركات الكردية في هذه الدول ، ونسب الكرد فيها ، وتوزعهم الديموغرافي ، تتفاوت درجات هذا الاضطراب والضياع الذي يعاني منه المشهد السياسي الكردي . وأرى أن المتأمل بدقة…

ماهين شيخاني ليست قيمة أي برلمان بعدد أعضائه، ولا بجمال النصوص الدستورية التي تحدد صلاحياته، بل بقدرته على تمثيل المجتمع تمثيلاً حقيقياً، وممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية باستقلالية كاملة. فالبرلمان الذي لا يعكس التنوع الوطني، ولا يستطيع مساءلة الحكومة، يتحول إلى مؤسسة شكلية تمنح الشرعية للسلطة أكثر مما تمنح الشعب صوتاً حقيقياً. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم…

مهند محمود شوقي ليست التنمية في الإقليم، أو في أي مكان آخر، مجرد تراكم لمشاريع إسمنتية أو أرقام تُسجّل في تقارير رسمية. إنها في جوهرها اختبار لقدرة الدولة على الاستمرار في العمل وسط أزمات سياسية واقتصادية متشابكة، وعلى تحويل الضغوط إلى مسارات إنتاج بدل الانكماش. منذ عام 2019، واجه إقليم كوردستان واحدة من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخه…