خاطرة سياسية في الأزمة السورية والمنطق السياسي الكوردي..!

دهام حسن

في لجة الأزمة الوطنية السورية، وتسارع الأحداث ساعة بعد ساعة، حتى لم يعد ممكنا أن تظل على موقف واحد خلال يوم واحد، فالتغيرات المتسارعة لا تدع مجالا لحيز من التأمل والتفكير، يمكـّنك من مواكبة الحدث لحظة بلحظة، هذا هو عصر السرعة، عصر شباب الإنترنت، بالتالي ما علينا إلا أن نتقبل ذلك بوعي وتفهم ومسؤولية، فالمُحاور الكوردي في سوريا والقاهرة واسطنبول وفي أي محفل كان، أمام مسؤوليات جسيمة، تتطلب وعيا وكفاءة وإخلاصا، فالحركة السياسية الكوردية مدعوة اليوم أن تنخرط بجدارة في النضال السياسي والدبلوماسي، فأمامها مهام جليلة، ولا مكان للتقاعس، بيد أن الواقع لا يبشر بهذا، فالوجود السياسي الكوردي في القاهرة موضوع مقالنا هذا، هذا التواجد جاء دون تهيئة أو تنسيق بين الأفرقاء، ومن الطرافة التاريخية أن يلتقي قطبان متنافران في أروقة الجامعة العربية دون أي تنسيق أو تلاق بينهما، هما نفسهما كانا على رأس فريقين متخاصمين في منتصف الستينيات من القرن الفائت..!
 وربما أرخت تلك الفترة لمصطلحي اليمين قاده السيد حميد درويش، واليسار كان من أبرز فرسانه صلاح بدر الدين، بعد ذلك تفرّخ اليمين إلى تنظيمات عديدة عرفت بأسماء شخوصها (طاهر سفوك – عزيز داوي- فيصل يوسف وربما آخرون..) مع حفظ الألقاب، وتفرّخ اليسار عن تنظيمات لا يمكن بالنسبة لي عدها أو حصرها، ومن الطريف أن السيدين عزيز داوي وطاهر سفوك بعد أن أخفقا نضاليا في تنظيم واحد في البدء، ثم في تنظيمين متجاورين أيضا، يبدو لي أن كليهما حـنَّ إلى عشـّه إلى مرتع الصبا فيحلمان بالمربع الأول كما نوهت عن ذلك في مقالة سابقة، وهذه المرة كجارين لا كصاحبي الدار، وجاء استغلال ظروفهما من قبل التقدمي، رغم أن طاهرا يقاوم، وعزيزا (يتندر ويتهكم ويهذر)، ونسيا أن التفاتة التقدمي (الكريمة) إزاءهما جاءت بعد أن أصيب التقدمي بإحباط وضعف ووهن جراء الضجة التي خلفها الفصيل الذي عرف لاحقا بـ(حركة الإصلاح) فضلا عن أعداد من الكتاب كتبوا مع الغمز واللمز حينا على مواقف التقدمي وبدويّ ربما حينا آخر، استطاع التقدمي إذن مستغلا ظروف مجموعة أحزاب، استطاع من الظهور كممثل شرعي لهذه الأحزاب المنضوية تحت قبة المجلس الوطني الكوردي، وبالتالي ممثلا وحيدا للشعب الكوردي في سوريا وإن لم يقولوا بذلك بعد، خاصة بعد انشطار (آزادي) والبلبلة في (الوحدة) وأيضا في (اليكيتي) وغياب وضعف (البارتي) فرضي الجميع بعباءة التقدمي كحاضنة تأويهم، أو معطف (غوغول) كما يقال، ليمثلهم التقدمي في القاهرة..

 
مصيبة الحركة السياسية الكوردية في قادتها، فالقائد الحزبي الأول لا يقبل إلا أن يكون أكبر من حزبه، فإذا عظم شأن حزبه، وتماهى شخصه بقوة حزبه، قام هو بضرب بعض أركانه المتمثل ببعض الأشخاص، من هنا يمكن أن نقول عند تعددك لبعض الأحزاب لن تعرف منها إلا أسماء رموزها، بالمقابل فالقائد الضعيف يضعف أولا حزبه، لأنه لن يقبل بوجود كوادر كفوءة وهذه حال بعض أحزابنا من جهة ثانية..
 
من هنا أقول إن عقد لقاء بين السيدين حميد درويش وصلاح بدر الدين في القاهرة، ليس بالأمر السهل، فأيهما ترى سيكون مهيئا لقبول الآخر والتنازل قليلا لتناول الموضوع والبحث معا في الحالة الكوردية، فكلاهما وجد نفسه أكبر من الإطار الحزبي الذي عمل فيه، الأول ترك التنظيم والآخر أضعف حزبه بما لا يقاس..

من هنا أقول: طالما لا يمكن لأي منهما التنازل في المسألة الكوردية للآخر، فهما غير جديرين أن يمثلا الحركة السياسية الكوردية، المال السياسي ربما مكـّنهما أن يلعبا هذا الدور..

من جهة أخرى فلا تجانس في موقفهما من الثورة السورية، فالسيد حميد درويش لم يكن في هذه الأشهر الثمانية مع الثورة، بل دعا القريبين منه عدم التظاهر أيام الجمعة، واستطاع أن يجمع حول رأيه الأحزاب والتنظيمات العشرة، من هنا جاء إقصاء الأحزاب الستة (الميثاق – التيار – الإصلاح) ودعوة المجلس الكوردي اليوم بتشكيل إطار وحدوي أوسع، والإشارة إلى هذه الأحزاب هي دعوة غير صادقة قياسا على موقف الطرف النافذ في المجلس أو أكثر من طرف عند بناء المجلس نفسه..

بالمقابل لا يمكن طمس موقف صلاح بدرالدين حيث كان واضحا منذ اليوم الأول أنه مع الثورة، من هنا أقول كيف لهما أن ينسقا ويعملا معا، فموقف التقدمي السلبي من الثورة، جر معه مواقف سائر الأحزاب الأخرى، فسار في ركابه البارتي دون أي رفض أو تذمر، والوحدة منذ زمن لم يخرج عن عصا الطاعة، واليكيتي بدا وكأنه ينتظر سانحة للبدء بخطوات ودية تجاه التقدمي، أي الهروب إلى الأمام من مسائله التنظيمية، والسيدان طاهر وعزيز عادا إلى قواعدهما سالمين، والسيد نصر الدين هو أقرب إلى التقدمي منه إلى البارتي، فما زال تشغله قضية اسكندرونة التي تم سلخها عن أرض الوطن سوريا بإحصاء جائر تم في عام 1939م وهذا يدل على مدى عياره الوطني الثقيل، والسيد خيرالدين مراد البسمة لا تفارقه بعد إنجازه الكبير فقد دشن خلال عودته إلى أرض الوطن بانشطار آزادي إلى تنظيمين..

أليس بالتالي من حق الصديق العزيز خليل كالو أن يتهكم معي في مقالاته من واقع الحركة، وفرسان السحب من القادة الميامين..

وبالتالي فالعبور من المآزق إلى الضفة الأخرى أمر غير متيسر، والرؤية تبقى ضبابية طالما قيض لنا هكذا قادة، وشعبنا في الوقت الراهن غير قادر على تبديلهم..
 
أخيرا أقول..لا يظننّ أحد أن هذه الأحزاب يمكن لها أن تستمر أو أن تعاود حياتها التنظيمية والنضالية الاعتيادية بمجرد أن تحل نهاية أي نظام استبدادي يمارس الحزب حياته الداخلية في ظله، فحياة تلك الأحزاب وبتلك الطقوس رهن بحياة تلك النظم نفسها، والمآل السلبي لتلك الأحزاب رهن بأفول تلك النظم، ومع هذا فكثير منا لا يعقلون ولا يعتبرون..ّ

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…