مفهوم الهوية في الدول المتعددة القوميات والأديان

الدكتور عبد الحكيم بشار
 

منذ اندلاع الثورة السورية ، هناك جدل محموم حول مستقبل سوريا وتحديد ملامح الدولة الجديدة بعد إنهاء حكم الاستبداد ، الجدال لا يدور فقط حول مستقبل أو هوية الحكومة القادمة بعد التغيير ، فالحكومة أياً كان نوعها وشكلها وهويتها وآيديولوجيتها فهي حكومة مؤقتة إن أقر شكل الدولة السورية القادمة بشكل يحقق المساواة بين كافة المواطنين وكافة المكونات ، ولكن تلك الحكومة قد تتحول إلى استبداد وشمولية ودكتاتورية أكثر بطشاً وقمعاً تجاه المكونات الأخرى إن لم يكن في الدستور ما يمنع ذلك ، ويوفر ضمانات لحقوق المكونات والأديان والمذاهب لذلك فإن تحديد هوية سوريا المستقبلية هو الذي يحدد اتجاهات الحكم وآليات سير الدولة.
بداية لابد من التأكيد على ضرورة دمقرطة سوريا وهذا لا جدال فيه ، ديمقراطي توافقية تضمن حقوق الأقليات (مهما كان نوعها) وأقصد ها الأقليات العددية بشكل صارم بعيد عن سيطرة الأغلبية والاستناد عليها ، وكذلك لابد من التأكيد على برلمانية وتداولية السلطة في سوريا المستقبل وحرية منظمات المجتمع المدني باعتبارها الركيزة التي تحقق التحولات الديمقراطية في المجتمع وتمنع عودة الشمولية .
ولكن هناك موضوعتان جداً مهمتان في هذا الصدد :
أولهما : ما يتعلق بالهوية القومية لسوريا
وثانيهما : ما يتعلق بالهوية الدينية لسوريا
الأول – هناك من يقول إن أغلبية سكان سوريا هم عرب لذلك يجب أن تكون الهوية القومية لسوريا عربية أي جمهورية عربية سورية .
إن هذا التوجه الذي يستند على القيمة العددية ويلغي القيمة الإنسانية والثقافية والواقع التعددي هو توجه شوفيني بعيد كل البعد عن المنطق ، وتحت هذه الذريعة (أي الأكثرية العددية) إذا صح المقياس يمكن اضطهاد الأقليات (العددية) مرة أخرى كما يفعلها البعث الحاكم تحت حكم الأكثرية يمكن حرمان الأقليات من جميع حقوقهم طالما أن صناديق الاقتراع بالمفهوم العددي هو الحكم كما يدعي السيد بيانوني ، وهنا يجب أن نفرق بين حالات عدة :
ففي فرنسا مثلاً يعتبر الجميع فرنسيون ولا يمكن لأي ملة أو دين أو قومية مهاجرة المطالبة بحقوقها القومية لأن الأصل فيهم مهاجرون وليس من السكان الأصليين ، أما في سويسرا فإن الأمر مختلف ، فهناك ثلاث قوميات متعايشة هم الألمان ويشكلون 70% من سكان سويسرا ، والفرنسيون ويشكلون حوالي 20% من سكانها ، والإيطاليون ويشكلون 9% من سكانها إضافة إلى أقليات ضئيلة جداً .
وهنا لو اعتمدنا حكم الأكثرية لأصبحت سويسرا دولة ألمانية وليست سويسرية ، ولكن وبحكم أن جميع القوميات هي أصيلة لذلك لم يعتمد اسم القومية الكبرى .
وعودة إلى سوريا التي تتكون بشكل رئيسي من قوميتين ، عربية وكردية ، ويشكل الكرد أكثر من 15% من سكان سوريا وهم يعيشون على أرضهم التاريخية ، لذلك فإن النموذج السويسري هو الصالح للتطبيق وليس النموذج الفرنسي الذي يتكون من القومية الفرنسية ومهاجرون .
إن أي توجه أو توجهات نحو عروبة سوريا هو إلغاء لكل المكونات الأخرى واعتبارها أقليات مهاجرة ، وهو توجه شوفيني مماثل للبعث والنظام الحاكم ، لذا لن يأمل منه أي سلوك أو موقف أو نظام مخالف للنظام الحاكم إن لم يكن أكثر شمولية واستبداداً باسم الأكثرية .
إن هذا الموضوع (اسم سوريا) وهو المحك الرئيسي لتوجه أي إطار أو كتلة معارضة ، وبوصلة لتوجهاتها المستقبلية وكيفية وآليات تعاملها مع الواقع التعددي لسوريا .
إن سوريا عضو في الجامعة العربية يختلف بشكل جذري عن كون سوريا دولة عربية ، فالانتماء إلى أطر سياسية وتحالفات سياسية هو من حق أي دولة ترى مصلحتها فيها ، ولكن هذا الإطار لا يحدد بالضرورة هوية ذلك البلد ، فالاتحاد الأفريقي هو اتحاد لدول مختلفة القوميات والهويات والثقافات وإنما يجمعها الجوار الجغرافي .
ثانياً – موضوع الهوية الدينية : وهو أيضاً موضوع شائك ومعقد ، فأغلبية سوريا هم من المسلمين ، ولكن الحقيقة هناك مسلمون سنة وشيعة وعلويين وإسماعيليين ودروز ، وإذا كان بعض الفقهاء يرون أنها كلها طوائف إسلامية وجميعها على حق ، فإن آخرون يرون الطوائف الأخرى هي طوائف منحرفة عن الإسلام ، ناهيكم ع وجود مكون مسيحي يشكل 12% من سكان سوريا .
فاعتبار سوريا دولة إسلامية اعتماداً على الأكثرية السنية قد يفتح الباب لصراعات دينية ومذهبية وطائفية لا نهاية له تؤدي إلى خلق أوضاع كارثية وسيندم العديد منهم على النظام الاستبدادي القائم حالياً ، بل قد يحن إليه ، لذلك فإن اعتماد مبدأ العلمانية بفصل الدين عن الدولة وبقاء الدين في المجتمع بعيداً عن السياسة وتقلباتها ، فالدين قضية إيمانية بين الفرد  وربه ، ونظام الحكم قضية بشرية ، لذلك فإن اعتماد العلمانية في الدولة هو السبيل لمنع حصول إشكاليات وهزات عنيف في المجتمع السوري ، ولكن أيضاً هنا يجب التفريق بين سوريا كعضو في تجمعات دولية إسلامية وبين سوريا دولة إسلامية ، إنها قضايا حساسة وشائكة .
إذن يجب التركيز على بعد المواطنة في سوريا ، سوريا جمهورية متعددة القوميات ومتعددة الأديان والمذاهب ، وتجنب استعمال أي مصطلح ينم عن شوفينية قومية أو تمييز ديني ، لأن في ذلك إعادة إنتاج للنظام القائم بشكل أو اسم آخر .
والانطلاق من الواقع التعددي لسوريا والبناء عليه من خلال إقامة دولة علمانية برلمانية تعددية اسمها الجمهورية السورية .

3/11/2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سلمان حسين -هولندا في سوريا التي أنهكتها الحروب، وتراكمت على ذاكرتها الجماعية صور الدمار والدماء، يبرز مفهوم النصر عبر السلام بوصفه الرؤية الأعمق والأكثر إنسانية لتحقيق الغاية الأسمى لأي صراع لحماية الحقوق، وصون كرامة المواطن السوري المغلوب على أمره، وترسيخ الأمن والاستقرار. فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد المعارك التي تُحسم , ولا بحجم القوة التي تُفرض، وخاصة بين أبناء البلد…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* إن البديل الديمقراطي ضد الديكتاتورية الحاكمة في إيران لا يُعرّف بالشعارات والادعاءات. البديل الحقيقي هو القوة التي تمثل صوت المنتفضين، وتتواجد في قلب المعركة، وتستطيع نقل واقع انتفاضة الشعب الإيراني إلى الرأي العام العالمي. من هذا المنظور، فإن دراسة انتفاضة الشعب الإيراني وتداعياتها توفر معياراً واضحاً لتمييز البديل الحقيقي. التنظيم؛ الشرط الضروري للبديل إن دفع الاحتجاجات المناهضة…

إبراهيم اليوسف   كان الخوف يسكنني طويلاً كلما نظرت إلى أبناء الجيل الذي كبر بعيداً عن تراب الولادة. خشية على ارتباطهم بلغتهم. خشية من انقطاع الخيط الذي يربط البيت الأول بالشارع الجديد. خشية من أن تتحول الذاكرة إلى صورة باهتة معلّقة فوق جدار لا يلتفت إليه أحد. شعرتُ أن الغربة لا تكتفي بأخذ الجغرافيا، إذ تمضي أبعد فتأخذ الكلمات، ثم…

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….