المكارثية والمؤتمر الكردي الاسعافي

سيامند إبراهيم

منذ تباشير الفجر رأينا البعض من قيادات الأحزاب الكردية التي عملت في المؤتمر الكردي المزعوم, تضحك ملأ شدقيها, وهي تقود سياراتها الفارهة, ويتجهون نحو المقاهي والمنتديات الخاصة و يقهقهون لما تحكموا في اللعب على شتى الاتجاهات الحزبية والاقصائية لرفاق الأمس, وخذلان البعض منهم في عدم الصعود إلى المكتب التنفيذي وهو في حقيقة الأمر مؤتمر حزبي متفق عليه بين هذه الأحزاب التي كادت أن تموت لولا الحالة الاسعافية والولادة العسيرة التي بالكاد خرجت في عملية قيصرية مشوهة بحيث لعب كل طرف في جذب مريديه, و محبيه, وأصحاب المال من التجار والأطباء وبعض المثقفين الذين لا حول لهم ولا قوة في الحراك الشبابي أو في الساحة الأدبية؟!
سبعة أشهر مضت والبعض من هذه الأحزاب لم تشاهد في المرور من أمام جامع قاسمو (الحرية) وها قد دخلنا في الشهر الثامن, والكثيرين منهم في مرحلة السبات الشتوي ينتظرون ما سيحدث من تطورات لاحقة للقضية السورية ومجرياتها على الصعيد الإقليمي والدولي
لكن لنرجع إلى بنية تشكيل هذا المؤتمر و نبحث عن آلية تكوينه وأسس العمل فيه, وكيف التقت هذه الأحزاب كلها من اليسار إلى اليمين, وما الذي جمعها في هذه البوتقة الشاذة عن التكوين؟! أليس بالأحرى من هذه الأحزاب التي دفع مناضلوها سنوات السجن وذاقوا مرارة التعذيب و القمع أن يلتقوا مع أحزاب لا حول لها ولا قوة؟ وكادت أن تصل إلى مرحلة الاحتضار لولا العناية الإلهية,  وهذا المؤتمر الحزبوي الذي أنقذهم من الإفلاس؟! و السؤال الثاني كيف تم إبعاد وتشويه سمعة الكثيرين من الذين لم يحضروا المؤتمر من المستقلين الذين نقدوهم ووضعوا حداً لتحركاتهم في اتجاهات غير صحيحة, وكيف كان العقل غائباً لدى البعض من قيادات هذه الأحزاب حيث رسموا سياسية الإسكات والتهميش بحق البعض وانتقوا ما يحلو لهم من المقربين منهم؟! وحتى إن لم يكونوا يحملون أية مؤهلات ثقافية وعلمية أو خبرة سياسية؟!
وفي حقيقة الأمر إنها المكارثية الكردية التي تعمل في هذا المجال منذ بداية تأسيس الحركة الكردية؟! و
المكارثية كمفهوم :” ظهرت في الخمسينيات من القرن الماضي على يد السناتور الأمريكي جوزيف مكارثي, حيث دان هذا السناتور بتعاطف بعض موظفي الخارجية الأمريكية بالتعاطف مع الشيوعية, وهكذا فقد دان هذا السناتور الكثير من الشخصيات الثقافية والسياسية آنذاك” مما أدى إلى نشأة لائحة سوداء باسم تلك الشخصيات,” وهنا نجد تقاطعا كبيراً بين المكارثية الأمريكية والمكارثية الكردية التي تعمل وفق نفس التفكير وتحمل نفس الذهنية من القمع والتهميش لكل صوت ينتقد أداء وحراك هذه الأحزاب وترهيبهم للمثقفين والكتاب والناشطين الذين ينتقدون مواقف, وانتهازية البعض من هذه الأحزاب؟! وهاهي الصورة واضحة لا لبس عليها في الألاعيب التي جرت في المؤتمر الكردي حيث كان أحد شعاراتهم نحو سوريا ديمقراطية..” فأية ديمقراطية يا سادة يا كرام تريدون؟! الديمقراطية التي تريدون من الشعب الكردي الركوع أمامكم, لكن لن ينجح هذا التسويق الإعلامي المهلهل, والتقاطع الحزبي الذي انخدع به البعض ممن ركبوا موجة الأحزاب فالبعض منهم لازالوا يعانون من رهبة هذه الأسماء التي عفا عليها الزمان, الرهبة من السلطة الوهمية التي ستندثر قريباً, والبعض الآخر ذهب إلى المؤتمر حباً في الظهور الإعلامي المفصل على مقاس قيادات هذه الأحزاب, لكن طوبى لمن تحفظ, ولم يحضر؟ وكان بعيداً عن هذه المكارثية الكردية.

ومن الجدير بالذكر أننا نحن المثقفون الكرد لا نعاني من سهام الأحزاب الدولة القمعية؟! بل نعاني من الطابور الخامس لهذه الأحزاب من نشر, وتسويق الكثير من الأكاذيب الوهمية الخلبية التي لا تنفجر لا في الأعياد الرسمية ولا في الموسمية؟!
وهنا قد يتساءل البعض لما هذا النقد اللاذع لهم؟ أقولها وبكل شفافية ودون مواربة, أنا منحاز إلى الحراك الشبابي منذ البداية, وقد شككت وتحفظت على أداء مجموع الأحزاب الكردية منذ اليوم الأول لتظاهراتنا السلمية في المناطق الكردية, ولم أرتاح البتة في آلية عمل هذه الأحزاب التي كانت آيلة لم تشارك في هذا الحراك, والبعض منها قررت الذهاب إلى الحوار؟! والبعض الآخر بعث المندسين إلى هذا الحراك وضخ المال في هذا الحراك الشبابي؟! والبعض الآخر كان يذهب مسرعاً في سيارة فارهة ويعقد الندوات هنا وهناك ليهاجم المعارضة التي هو جزء منها بحجة عدم الاعتراف بحقوق الكورد, لعله يحد من مشاركة الكورد في الثورة, في خدمة – قد تكون غير مجانية- للنظام ؟! و يجب أن نكون منصفين بأنه ثمة الكثير من قيادات وقواعد هذه الأحزاب كانت حاضرة بيننا, والبعض الآخر كان لهم أجندة حزبية في الظهور في الشارع, والبعض كان يؤدي واجبه الوطني في هذا الحراك, لكن تبقى هذه الأحزاب ولا تزال تفكر في الاستحواذ على هذا الحراك الشبابي وتهميش الشباب والمستقلين الحقيقيين, والأحزاب التي وقفت ضدهم لشتى الأسباب, ولن نسهب طويلاً في هذه العجالة.
فيا سادة الصمت في أرض اليباب: لن تلحقوا بقطار (آجاثا كريستي) السريع؟!  وأنتم لستم جزء كبير من الشارع المجتمع الكردي البالغ 3 ملايين نسمة, وأنتم لستم ممثلي الشعب الكردي؟! أنتم تمثلون أنفسكم وأسبغتم ثوب الشرعية الفضفاض على مقاساتكم؟! وقبل أن تنزلوا إلى الشارع ونحن متأكدين بأنكم لن تستطيعوا أن تغيروا من زخم التظاهرات الكردية لأن القطار فاتكم فاتركوا الشباب وحلاهم وامشوا في نهاية التظاهرة وعدم الاقتراب من رأس التظاهرة التي شرف المناضلين الأوائل من الطليعة الشبابية التي رفعت رأس الكرد, وأنتم كنتم توسمون هؤلاء الشباب بالعرعوريين, سلفيين, مندسين وها قد قررتم السير وتبني هذه الثورة السلمية؟! ولا تنسوا أنه توجد أحزاب كان لها حضور مشرف وفعال أكثر منكم, ودفعوا الثمن من ملاحقات وسجون وأنتم كنتم تمارسون الإرهاب الفكري والتخويني والاقصائي ضدهم وضد كل صوت مستقل ينقد أدائكم المخيب؟! ولا يستطيع أي قيادي حزبي أن يخون مناضلاً أو كاتباً كما قالها ذات مرة أحد القياديين الشيوعيين الراحلين” ولن يستطيع سكرتير حزبي أن يخون كاتباً أو مناضلاً في أقبية خاصة, لأن زمن الوصاية وشهادات حسن السلوك ولت وإلى غير رجعة, و من يتهم الآخرين فستموت كلماته في ساعتها؟! ويفقد مصداقيته؟! وأخيراً لن تستطيع أية قوة أن تسكت أقلامنا وحضورنا في المشهد الكردي مهما بلغت به القوة والجبروت, ولن تعيش عقلية الإرهاب من أية جهة كانت؟! وجربوا؟!

قامشلي

30 / 10 / 2011

Siyamend1955@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest


0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس تأملات في الزمن والموت ومأساة الوعي الإنساني. لا شيء يُجبر الإنسان على النظر في عيون الفناء، كما تفعل لحظة نادرة نقف فيها على تخوم الذات، لا لنحدّق إلى الغد الذي لا نعرفه، بل لننقّب فيما تبقى من الأمس الذي لم نفهمه. لحظة صمت داخلي، تتكثّف فيها كل تجاربنا، وتتحوّل فيها الحياة من سلسلة أيام إلى…

مروان سليمان من أهم القضايا الشائكة في المجتمعات الشرقية هو التطرف العنيف الذي يعمل بها أناس ليل نهار من أجل شق وحدة الصف و أنقسامات داخل المجتمع و إنعدام حقوق الإنسان و من هنا كان لزاماً على الطبقات المثقفة و التي تحمل هموم شعوبها أن تعمل من أجل الحوارات المجتمعية و تقديم المبادرات السلمية و تحافظ على حقوق…

بوتان زيباري   في دهاليز السلطة، حيث تتهامس الأقدار وتتصارع الإرادات، تُحاك خيوط اللعبة السياسية ببراعة الحكّاء الذي يعيد سرد المأساة ذاتها بلغة جديدة. تُشبه تركيا اليوم مسرحًا تراجيديًا تُعاد كتابة فصوله بأقلام القوة الغاشمة، حيث تُختزل الديمقراطية إلى مجرد ظلٍّ يلوح في خطابٍ مُزيّف، بينما تُحضَر في الخفاء عُدّة القمع بأدواتٍ قانونيةٍ مُتقَنة. إنها سردية قديمة جديدة، تتناسخ…

خالد بهلوي بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وإرساء أسس بناء الاشتراكية وظهور المعسكر الاشتراكي كقوة اقتصادية وعسكرية تنافس الدول الرأسمالية ومعسكر الحلف الأطلسي، انعكس هذا التوازن على العديد من الدول، فحصلت على استقلالها، ومن بينها الدول العربية. كما خلقت هذه التحولات قاعدة جماهيرية تنادي بضرورة الاشتراكية، وأصبحت بعض هذه الدول، وحتى الأحزاب القومية التي تشكلت فيها، تدّعي…