الأسد وحديث «الفالق الزلزالي»

عريب الرنتاوي

بدا الرئيس السوري بشار الأسد، في أول حديث صحفي له منذ اندلاع الأزمة في بلاده، كمن يمارس هواية المشي على حبل مشدود، أو “الرقص على حافة الهاوية”، وهو استخدم بالمناسبة تعبير “الفالق الزلزالي” في وصفه لجغرافية بلاده وديموغرافيته، محذراً من أن أي تغيير في سوريا، سيُغرق المنطقة في “أفغانستانات” عديدة… وأي تقسيم لبلاده، سيفضي حكماً إلى تقسيم المنطقة برمتها.
هي إذن، سياسة التخويف من “حرب المائة عام” بين المذاهب والطوائف والأقوام… هي ذاتها الفزّاعة التي طالما أشهرتها أنظمة الفساد والاستبداد في وجه رياح التغيير وقوى الإصلاح في المنطقة… هي ذاتها سياسة “حافة الهاوية” التي لجأ إليها جميع الطغاة من قبل، لتبرير مقولتهم: “نحن أو الطوفان”، أو بالأحرى “من خلفي الطوفان”.
والمؤسف حقاً، أن الرئيس السوري الذي حاول تصوير الصراع في بلاده بين “إسلاميين وعلمانيين”، لم يكلف نفسه عناء الإجابة على سؤال بديهي: لماذا تبدو سوريا كـ”الفالق الزلزالي” برغم مرور نصف قرن تقريباً على انفراد “القوميين العرب – العلمانيين” في حكم البلاد والتحكم برقاب العباد… لماذا أخفق المشروع البعثي في بناء “دولة الأمة”، والأمة هنا ليس مقصوداً بها، تلك الممتدة من المحيط إلى الخليج، بل “الأمة السورية” إن جاز الوصف والتعبير، وبالاعتذار من القوميين والبعثيين والناصريين… من الذي جعل سوريا “فسيفساء” مذاهب وطوائف وأقوام، وأسقط دولة المواطنة، المدنية الديمقراطية التعددية… لقد كان مفهوماً أن يتحاشى الرئيس الخوض في دهاليز “التجربة البعثية – الأسدية” في السلطة، لأن سوريا في هذا العهد، وفي هذا العهد بشكل خاص، “تطيفت” و”تمذهبت” كما لم يحدث في تاريخها الحديث… واللعب بهذه الورقة، أو العزف على هذا الوتر، بات الورقة الأخيرة في جعبة نظام، باتت خاوية إلا الروايات الركيكية التي لا يشتريها أحد، والأسلحة التي لا توجه إلا لصدور المواطنين العزل.

لقد بدا الرئيس منفصلاً تماماً عن الواقع – Irrelevant – فهو إذ يتحدث عن “الإصلاح المبكر” الذي بدأ بعد ستة أيام من اندلاع الاحتجاجات، لم يكلف نفسه عناء الإجابة على سؤال آخر: لماذا لا يصدق أحدٌ، حتى من أقرب أصدقاء النظام وحلفائه، هذه الرواية، لماذا يطالبه الجميع بتسريع وتائر الإصلاح، بمن في ذلك روسيا والصين وإيران وحزب الله… لماذا نسمع جعجعة ولا نرى طحيناً البتّة؟.

ثم من قال أن الصراع الدائر في سوريا، هو صراع بين “إسلاميين – إخوان” من جهة و”قوميين عرب – علمانيين” من جهة ثانية… أليست المعارضات السورية على اتساعها، هي خليط إسلامي، قومي، بعثي، ناصري، علماني ومن شتى الطوائف والمشارب… ومن قال أن الحكم في سوريا هو الناطق باسم “القومية العربية” و”العلمانية” في طبعتها العربية… وأي “قوميين عرب” أولئك الذي أعيتهم مهمة الحفاظ على وحدة سوريا الجغرافية والديموغرافية… أية قومية عربية تلك التي جعلت من سوريا، أم العروبة وأباها، مجرد “فالق زلزالي” على تخوم الطوائف والمذاهب والأقوام….

أللا يمكن للقومية العربية أن تكون مدنية وديمقراطية وتعددية… ألا يمكن لها أن تكون منفتحة على العصر والآخر… هذه البضاعة لن تجد من يشتريها، وهذا الخطاب، سبق وأن أشهر إفلاسه مرات ومرات، وتلكم “الفزّاعة” لم تعد تخيف أحداً.

ولماذا هذا الاستشراس في الحرب على الإخوان المسلمين… ولماذا “نقاتلهم منذ خمسينييات القرن وما زلنا نقاتلهم”… وما معنى الحوار والمصالحة والإصلاح من دون “الإخوان”…أليسوا مكوناً رئيساً من مكونات الشعب السوري؟… ألا يكفي أنكم تقاتلونهم لأكثر من ستين عاماً من دون جدوى؟… ألا يعني فشلكم في استئصالهم أنهم حالة راسخة ومنغرسة في صفوف الشعب… ألا يكفي الفشل المتكرر في الخلاص من “الظاهرة الإخوانية” أن الوقت قد حان لاختبار طرق أخرى في التعامل معهم، وإلى متى ستظل سياسة “تجريب المجرب” هي السياسة العليا للنظام السوري… أليس معيباً أن تأتي هذه التصريحات والمواقف، في الوقت الذي رحب فيه العالم برمته، بانتخابات تونس وفوز “النهضة” وخطابه الحداثي المدني.

أما عن حكاية القوانين التي تحتاج “دهوراً” لإقرارها، و”خمسة عشرة ثانية” لتوقيعها، فهي أيضاً حكاية مثيرة للسخرية… لقد جرى تعديل الدستور في “خمسة دقائق” ليتواءم مع سن الرئيس الوريث… لقد أجرت دول عديدة تعديلات جذرية على قوانينها ودساتيرها في غضون أشهر معدودات، لماذا تبدو سوريا مختلفة عن غيرها عندما يتعلق الأمر بالإصلاح… لماذا تبدو سوريا مختلفة على اليمن وليبيا ومصر وتونس و”كل الدنيا” عندما يتعلق الأمر بالتغيير… ألم تسقط هذه المقاربة المرة تلو الأخرى، وفي غير دولة وعاصمة عربية، بمن فيها سوريا ودمشق؟.

ثمة في حديث الأسد ما يؤكد أسوأ مخاوفنا… لقد أغلق الباب بإحكام أمام السياسة والدبلوماسية، ولم يبق سوى قرع طبول الحرب على الشعب السوري، والممتدة لثمانية أشهر وأربعة آلاف شهيد… لقد قرر “الأصعب قد بات وراءنا” لتأتي أحداث الجمعة الدامية في حمص، تزامناً مع هذه التصريحات وتؤكد “أن الأسوأ ما زال بانتظارنا”… لقد تحدث ببعض السخرية و”الهزل” عن “شهداء الجيش الذين سقطوا بالرصاص لا بالهتافات”..

في وقت هيهات فيه، أن تجد عائلة سورية

واحدة قادرة على الابتسام… لقد أظهر مرة ثانية أنه: Irrelevant.

مركز القدس للدراسات السياسية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…