رقصة النظام

د.

آلان كيكاني

ما يلفت النظر هذه الأيام على الساحة السورية هو تصرف النظام وأركانه وأبواقه وآلته العسكرية بطرق هستريائية لا مجال للعقل والمنطق فيها .

فرأسه يهدد العالم بحرق الشرق الأوسط خلال ست ساعات بضرب إسرائيل بمئات الصواريخ وتحريك إيران والجماعات الشيعية في لبنان ودول الخليج , ووزير خارجيته يتوعد كل من تسول له نفسه بالاعتراف بالمجلس الوطني السوري الذي تأسس مؤخراً في اسطنبول بإجراءات مشددة , ومفتيه ينذر أوروبا وأمريكا الشمالية بجماعات استشهادية تستطيع دك بلدانها إن قامت هذه الدول بالاعتداء على سورية ولبنان , وقواته المسلحة باتت تسيّر دباباتها في الشوارع وتقصف البيوت عشوائياً وتدمرها على رؤوس ساكنيها في حمص وإدلب.
ترى ما هذا العرض غير المبرر للعضلات ؟ وما هذا السلوك الأرعن والنرفزة اللامعقولة التي تصدر عن النظام في هذه الأيام ؟ وقد عودتنا سوريا خلال العقود الماضية على سياستها الخارجية الرزينة والبعيدة عن الطيش والتهور .
لا يمكن تفسير هذه التصرفات إلا من خلال بيت شعر قاله المتنبي يعبر فيه عن دعوة الناس إلى عدم النظر إلى رقصه على أنه نتيجة نشوة أصابت فؤاده , وإنما هو حصيلة ألم مبرح يمزق أحشاءه , حيث قال :
لا تحسبوا رقصي بينكم طربا .

.

.

فالطير يرقص مذبوحاً من الألم
صراخ النظام إذاً هو الحشرجة التي تسبق الموت , وهيجانه هو ثورة مَن بدأ يخسر كل شيء في حياته ويحاول تطبيق مبدأ : عليّ وعلى أعدائي , ووفق هذا المبدأ شرع النظام مؤخراً بتصفية أعدائه اللدودين الذين لم يخضعوا لنداءاته بالكف عن معارضته وإزعاجه وهو يستمتع بتخته العاجي الذي بات ملكاً له ولآله , واغتيال الشهيد مشعل تمو جاء في هذا السياق .
أفعال النظام في سوريا تدل اليوم على أنه فقد الصواب والبصيرة وطفق يهدد في اليمين وفي الشمال وخاصة ما ورد على لسان وزير خارجيته عندما قال أن سورية ستعاقب كل من يحابي المعارضة بعد أن وعد أنه سينسى وجود أوروبا على الخارطة , وليت شعري ما هذه العقوبات التي يتشدق بها هذا الوزير وما هي إمكانية دولته على فرضها وهي تواجه ثورة جماهيرية أنهكت كاهلها؟
تهديدات وتهديدات , وكأن سوريا هذه ليست سوريا التي اعتادت على الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين عندما تعرضت عدة مرات في عقر دارها  لضربات جوية إسرائيلية دمرت مفاعلها النووي المشبوه مرة , ودكت موقعاً فلسطينياً قرب دمشق مرة أخرى .


إنه الغباء عينه أن يعتقد وزير خارجية سوريا أنه وزير خارجية دولة عظمى تستطيع فرض إرادتها ومعاقبة المارقين على سياستها  اقتصادياً وعسكرياً واستخباراتياً .
والأنكى من تصريح الوزير هو ما جاء على لسان المفتي العام للجمهورية بتهديد العالم المتحضر بالاستشهاديين والفدائيين المنتشرين في أصقاع الأرض , إذ متى كان يتجرأ المفتي في سورية على الحديث عن أمور سياسية حساسة كالتي تحدث عنها الحسون ؟

هو ارتباك إذاً لا يقل عن ذلك الذي يشعر به المرء حين يحضره الموت , ولا ينقص عن رقصة المذبوح ألماً قبل موته .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

دمشق – ولاتي مه – استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الثلاثاء، وفدا من المجلس الوطني الكردي في العاصمة دمشق، برئاسة محمد اسماعيل، حيث جرى بحث عدد من القضايا السياسية والوطنية، وسبل تعزيز الحوار بين مختلف المكونات السورية. وخلال اللقاء، أكد الرئيس أحمد الشرع التزام الدولة بضمان حقوق المواطنين الأكراد ضمن الإطار الدستوري. بدوره، ثمن الوفد المرسوم الرئاسي رقم /13/…

ادريس عمر لنعود قليلاً الى الوراء ولنتذكر سياسة حفر الخنادق التي انتهجها حزب العمال الكردستاني في مناطق كرد تركيا التي أدت إلى نتائج كارثية، كان ضحيتها آلاف الشباب الأكراد، فضلاً عن الدمار الواسع الذي لحق بالمدن والبنية المجتمعية هناك. وقد أقرّ القيادي في العمال الكردستاني مراد قره يلان لاحقاً بفشل هذه التجربة واعتبرها خطأً استراتيجياً. غير…

نورالدين عمر ​تقف جميع القوى السياسية الكردية، في مختلف أجزاء كردستان، صفاً واحداً إلى جانب “روجافا” في هذه المرحلة المصيرية؛ إدراكاً منها لحجم التحديات والمخاطر التي تستهدف الوجود الكردي برمته. ولم يصدر عن أي قيادة سياسية كردية مسؤولة، في أي جزء من كردستان، اتهام أو تشكيك بقيادات قوات سوريا الديمقراطية أو بالإدارة الذاتية، بل على العكس تماماً، هناك إجماع…

سوسن ديكو ما جرى في تجربة الإدارة الذاتية لا يمكن توصيفه بوصفه فشلًا مجتمعيًا، بل إخفاقًا سياسيًا وإداريًا تتحمّل مسؤوليته القيادات التي صاغت السياسات واتخذت القرارات، لا القوى العسكرية ولا الموظفون ولا الفئات التنفيذية ذات الصلاحيات المحدودة. ففي كل تجارب الحكم، تُقاس المسؤولية بموقع القرار لا بموقع التنفيذ، وأي محاولة لنقل تبعات الفشل إلى الحرس أو الجنود أو العاملين في…