سوريا والنفاق الروسي

  طارق الحميد

مع مستشارة النظام الأسدي بثينة شعبان كل الحق عندما تقول إن اليوم الذي استخدمت فيه كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لوقف مشروع قرار يدعو إلى «إجراءات محددة الأهداف» ضد نظام بشار الأسد، «يوم تاريخي».

فهو يوم تاريخي بالطبع، لأن في هذا اليوم عرف السوريون، ومعهم العرب، أن النظام الديكتاتوري في سوريا، والذي يقتل مواطنيه، وينكل بهم أبشع تنكيل، ولا يتوانى عن استخدام الحيل، وتأجيج الطائفية، هو نظام يتمتع بحماية حقيقية من قبل كل من الصين وروسيا، وتحديدا الروس الذين يمارسون نفاقا سياسيا بكل معنى الكلمة.
وبالطبع ليس سرا أن الصين ترفض أي قرار ضد النظام الأسدي لأنها تخشى على نفسها غدا من أي سابقة، وكان من المتوقع أن تمتنع عن التصويت، لتلك الأسباب، ولديها سجل حافل بذلك، أو أنها تستخدم حق النقض من أجل حماية نفوذها التجاري.

أما موسكو فلعبتها واضحة، بوضوح النفاق السياسي لديها، فالروس يعلمون أنه في حال سقوط نظام الأسد فإنهم سيفقدون آخر نظام عربي من الممكن استخدامه لابتزاز الأميركيين والأوروبيين في أي قضايا عالقة، أو مشاريع اقتصادية، حيث دائما ما كانت الأنظمة الديكتاتورية العربية منصة تقف عليها موسكو لتعزيز مواقفها التفاوضية في قضايا عدة.

وسقوط النظام الأسدي يعني أنه لم يعد هناك نظام عربي تستفيد منه روسيا مثل ما استفادت في حقبة الحرب الباردة من مصر عبد الناصر، أو كما استفادت من فترة صدام حسين، وبعده معمر القذافي، وها هي اليوم تحاول عدم خسارة آخر أوراق الابتزاز في منطقتنا وهو النظام الأسدي.
وعندما نقول إن النفاق الروسي واضح وضوح الشمس فهذا ليس تجنيا، ففي نفس اليوم الذي استخدمت فيه روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لوقف مشروع القرار الخاص ضد النظام الأسدي، أعلن الناطق باسم وزارة الخارجية الروسية ألكسندر لوكاشيفيتش أن بلاده تنوي «استقبال وفدين من المعارضة السورية في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، أحدهما يمثل معارضة الداخل الموجودة في دمشق، والثاني يمثل المعارضة التي أسست ما سمي المجلس الوطني في اسطنبول»! وما يجب أن نتنبه له هنا أن هذه الدعوة ليست لزيارة موسكو وحسب، بل وسيكون اللقاء في وزارة الخارجية الروسية نفسها.

فإذا لم يكن هذا هو النفاق السياسي، والمتاجرة بآلام ومعاناة السوريين، فماذا يمكن لنا أن نسميه، أو نصفه؟
الواضح أمام الجميع اليوم أن الروس يريدون التأسيس لموضع قدم لهم في سوريا، وعلى الطريقة التالية: وهي استخدام الفيتو لمصلحة النظام الأسدي، وفي هذه الحالة يكسبونه إن صمد أمام الثورة السورية الشعبية.

أو أنهم، أي الروس، سيكسبون الثوار السوريين من خلال الدعوة التي وجهت للمعارضة السورية في نفس يوم استخدام الفيتو بالأمم المتحدة!
هذا هو الأمر الواضح، وإلا كيف تدعم روسيا النظام الأسدي، وتبرر ذلك بقولها إن هناك جماعات إرهابية في سوريا، ثم تقوم بنفس اليوم بدعوة المعارضة لزيارة روسيا، علما أن موسكو تعتبر أن من بينهم إرهابيين؟ أمر لا يستقيم بكل تأكيد.
tariq@asharqalawsat.com

الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…