الحكم الفدرالي في سوريا – رؤية للطرح والتداول

د.إسماعيل حصاف
 
  بالتأكيد تتوفرأسباب وعوامل كثيرة داعمة لعملية التغيير والإصلاح في سوريا ،لاسيما ورياح التغيير تهب على دول الشرق الأوسط  وتتسع بشكل مضطرد، وبالتالي فالعاملين الخارجي والداخلي مؤات وتدفع بالتحرك السريع نحو ضرورة إجراء تغيرات تشمل جميع نواح الحياة الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والأيديولوجية والتشريعية …إلخ.

     وهذه الضرورة تحتم على الجميع حكومة ومعارضة ومنظمات المجتمع المدني في البلاد وفي الخارج ومختلف الشعوب السورية عربا وكردا واقليات قومية وطوائف ومذاهب والفئات الإجتماعية المشاركة في طرح الأراء وصولا إلى نتائج مرضية بما تتلائم والطبيعة الفسيفسائية للمجتمع السوري الثري بتنوعه وأطيافه .
    ومن الناحية اللغوية ، فأن الفيدرالية تعني التحالف والتعاقد بين الطيف المتنوع لمكون بلد معين ، وهي تعزيز للوحدة الوطنية وتوطيد للسلطة المركزية وعلاج شاف لجميع الصراعات والتناقضات الإجتماعية والسياسية .

  إن الفدرالية ليست إلا شكل من اشكال الحكم في ظله يفسح المجال أمام  قيام الدولة الشرعية وقضاء مستقل وبلورة نظام دستوري عادل قاعدته التعددية الديمقراطية تعزيزا للديمقراطية النيابية .
   وبما ان سوريا دولة صغيرة متنوعة الأعراق والمذاهب والطوائف ، فأن النظام الفيدرالي هو الأنسب لها ، بحيث تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين الحكومة المركزية  وبين الأقاليم التي يمكن أن تستقل بسلطاتها الداخلية التشريعية والتنفيذية والقضائية شريطة أن لا تتعارض مع الدستور العام في عموم البلاد .والغاية من هكذا نظام هو تقوية وتوطيد الوحدة الوطنية وحماية مصالح وخصوصيات جميع الفئات السورية .


   وقد اثبتت الفدرالية كنظام نجاحاتها في جميع البلدان الكبيرة منها والصغيرة في حل المسالة القومية في الدول ذات التعددية القومية والمذهبية والعرقية ومن هذه الدول على سبيل المثال نذكر : الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الفيدرالية وكندا والمانيا – البوندوستاغ ، والبرازيل ونيجيريا وجنوب افريقيا والإمارات العربية المتحدة.
   وتعد سويسرا نموذجا رائعا في إطار الدول الصغيرة التي نجحت فيها النظام الفدرالي والتي تتكون من 26 كانتونا، إذ لاتزيد مساحتها عن 41.934 كم وعدد سكانها 7.523.934 حسب إحصاء عام 2006 وفي هذه الدولة الصغيرة تعيش ثلاث شعوب :الطليان والألمان والفرنسيون ،ويعطي النظام السياسي في هذا البلد أوسع الصلاحيات للكانتونات الموجودة .


     أما بالنسبة لشكل النظام الفدرالي والمطروح للمناقشة في سوريا الجديدة  يكون دستوريا  ويتكون من مجلسين : مجلس الحكم العام وهو المجلس المركزي للدولة ويتكون من عدد متساو لكل ولاية – محافظة والبرلمان ويتم وضعه حسب الإنتخابات بحيث يمثل كل مندوب (30 ) ألف مواطن وتشكيل مجلس قضائي مستقل من قضاة يمثلون جميع الأقاليم والمكونات الجهوية والإتنية والطائفية في البلاد.


      لاشك أن سوريا حبلى بالعديد من القضايا والملفات المزمنة التي توارثتها الحكومات السورية منذ الإستقلال وبخاصة بعد صعود حزب البعث السلطة في البلاد في يوم الثامن من آذار عام 1963 ، ولايمكن معالجة الوضع السوري بالترقيعات ، بل يحتاج الوضع إلى إصلاحات شاملة وتغيير جذري في الممارسة والتطبيق، ووصلت الأمور في البلاد إلى حالة اللاعودة ، وبات شعار سقوط النظام أمرا حتميا و ضروريا لأن الحكومة السورية فشلت في إجراء الإصلاحات الجادة ولم تشرع بإصدار قرارات تاريخية  من قبيل:
1-  إطلاق سراح كافة السجناء السياسيين القدامى والجدد ومحاسبة المذنبين عن قتل العشرات في البلاد .


2-  إلغاء قانون الطوارئ الذي وضع  عام 1963  بشكل فعلي و تبديله بقانون جديد وبمسميات أخرى.


3 –  الدعوة إلى إنتخابات مبكرة وتحديد فترة الرئاسة باربعة سنوات على أن لاتزيد عن دورتين.


4- الدعوة إلى تغيير الدستور من أجل بناء جمهورية سوريا الحرة والديمقراطية- الفيدرالية مما يتلائم والفسيفساء السوري .


5- الدعوة إلى إلغاء الأجهزية الأمنية والإكتفاء بجهاز يحمي أمن الوطن والمواطنين .


6- الإعتراف الدستوري بالقومية الكردية كشريك للشعب العربي في سوريا ووإلغاء جميع القوانين الإستثنائية بحق الشعب الكردي وعلى رأسها مشروع الحزام العربي والإحصاء الإستثنائي وقانون 49 وغيرها من القوانين التي تعتبر جنائية دولية وتعويض المتضررين .
7- الإعلان عن قانون الأحزاب والصحافة .


8- إلغاء المادة الثامنة  من الدستور.


     أن الحكومة تخطئ كثيرا في  تجاهلها للتطورات الحاصلة في المنطقة وعليها تلبية مطاليب الشعوب السورية في تحقيق الحرية وضمان الكرامة والعزة لكل السوريين بعربه وكرده واقلياته القومية والمذهبية .


   أن على قوى المعارضة الداخلية والمقصود بالدرجة الأولى الأحزاب السياسية الكردية والعربية فهم وإستيعاب شروط المرحلة والقيام بدورها في قيادة حركة التغيير وإلا فإنها ستفقد دورها مرة وإلى الأبد .

      تشكل المسألة القومية الكردية من أهم القضايا التي ستواجه سوريا الجديدة ، وان عدم حلها ديمقراطيا سوف يعرض البلاد مجددا إلى الصراع والتناحر ولايمكن للشعب السوري التمتع بالحرية والإستقلال دون حل القضية الكردية في إطار سوريا الموحدة وفقا للإتحاد الإختياري ، ويبقى الحل الفيدرالي هو الأمثل ومن الضروري طرح هذه المسالة في جميع مؤتمرات المعارضة

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…