تعددت الانقسامات والكردي واحد

 إبراهيم محمود
 
لعلها ظاهرة لافتة للنظر، تتجلى في طبيعة الكثير من الكتابات ذات الصلة بالشأن الكردي الراهن وهي في تركيزها على أسباب الانقسام أو مظاهر التمزق والتنافر بين الكردي والآخر أو داخله، ظاهرة يمكن ملاحظتها حتى في نطاق حُمَّى الندوات أو اللقاءات المعتبرة جماهيرية، إذ إن الكاتب أو المتحدث يجد شهية محفزة على الخوض في أسباب الانقسام والخلاف بين الكرد أنفسهم، إلى درجة صعوبة إعادة اللحمة فيما بينهم.

ترتكز هذه الظاهرة إلى واقع عياني مباشرة، مصدرها تعددية الأحزاب والمسار الايديولوجي المختلف لكل حزب، وبالتالي فإن طرح أي وجهة نظر، مهما بدت واقعية، تظل محل خلاف ومثيرة لردود أفعال مختلفة.
لا حديث ممكناً في الحالة هذه عما يسمى بـ” وحدة الصف الكردي”، ولا قيمة عملية تُذكَر من جهة الجدية، بفاعلية أي بيان صادر عن مجموع الأحزاب الكردية، أو بعض منها، لأن الأرضية الفكرية أو المعتقدية ليست واحدة، بقدر ما يكون الانقسام الذي كان سبباً في تكاثرها، وحتى صدور بيانات تخاصمية فيما بينها، عاملاً فاعلاً في إبقاء التباعد متقدماً على التقارب، والتنافر متفوقاً على التفاهم والتلاحم.
إنها الانقسامات التي تحثُّ كل معني بحزبه على  التعريف بحزبه هذا أو بنفسه بصفته ممثل هذا الحزب على أن الذي يتفوه به أو يسطّره هو الحقيقة، ويعني ذلك أن الآخرين في الجانب الآخر من الحقيقة هذه.
نعم، تعددت الانقسامات والكردي واحد، ولكنه الكردي الذي يظل مثقلاً بجريرة كل انقسام يحمل طابعه الحزبي أو التحزبي، بقدر ما يعيش انقساماً على نفسه من خلال العرائض الحزبية وتضارب أقوالها، وهي النتيجة الوخيمة التي تواجهه بنفسه، والحيرة التي تتلبسه في وضع مزر ٍ حقاً، وهو في مواجهة أكثر من سؤال، لا أظنه بعيداً عن واقعه: من أنا؟ أي كردي أكون؟ أين هي كرديتي؟ من يستحق التصديق أكثر من الآخر؟ كيف يمكنني التفكير في وضع تشرذمي، خلافي؟ كيف تطمئن نفسي في وسط هذه الكثرة الكاثرة من الأحزاب، وكل حزب يقدّم نفسه خير من يمثّل الكردية؟ أين هو النموذج الفعلي للكردي الذي يتم التحدث عنه ويستحق تبنيه؟
كل حديث عن وحدة الصف الكردي حديث خرافة! ذلك ما تعلمنا به الوقائع الجارية.

إن قائمة التنظيرات أو جملة المقالات التي تدبجها أقلام المعنيين بهذا الحزب الكردي أو ذاك، وهي تتعرض لحالة انقسامية أو لقضية تاريخية أو اجتماعية أو سياسية تعني الكرد عموماً، ليست أكثر من النفخ في رماد بارد، كونها تنطلق من واقعة جزئية بقدر ما تمثّل وجهة نظر تحزبية خاصة، عدا عن اعتبارها علامة على عروض دعاوية باسم حزبها.
في هذا السياق، يسهل القول بأن أي بيان يصدر باسم مجموع الأحزاب الكردية، كما هو المعهود كثيراً في الصفحات الانترنتية، ليس أكثر من ذر للرماد في العيون، لأن الأرضية التي تنطلق منها مجتمعة ليست متوحدة، لعل هذا البيان أو ذاك موقع عليه أو مسمى للاستهلاك المحلي، وخير دليل على ذلك هو أن هذا الكم الكبير من هذه البيانات ومنذ شهور عدة حتى الآن لم يقدم شيئاًَ ينتفع به، وأن التباري الملحوظ بين ممثلي الأحزاب في ندوات مفتوحة يدخل في نطاق الأفضلية وليس التقارب والمزيد من التفاهم، انطلاقاً من البنية الخلافية التي كانت سبباً فاعلاً لنشوئها، وهي جملة الانقسامات المتعلقة بما هو قيادي أو زعاماتي أو وجاهاتي، والذي يدفع الثمن غالياً من روحه ودمه واسمه هو الكردي الذي يبحث عمن يعينه على ما هو فيه من انقسام في الذات.

وفي وضع مأسوي من هذا النوع، يندفع الكثير من اًصحاب الأقلام، وممن يجدون في أنفسهم القدرة على الكتابة ولو في حدها الأدنى على إثارة موضوعات خلافية، أو جانبية حادة، أو سجالية، أو في غاية الخطورة في نتائجها، رد فعل على الجاري، كما هو الممكن تبينه في ذلك الخط البياني لقائمة المنشور من هذه المقالات وما تتضمنه من أحكام قطعية، أو صيغ خطابية، مفصحة عن هذا التفكك في الواقع الكردي، وربما يائسة مما  يجري دون أن تخفي احباطها من التردي الحاصل والوعود المؤجَّلة التي استهلكت قواها الحية كثيراً كثيراً!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…