سوريا بين الانتفاضة والردة المضادة

صلاح بدرالدين

الانتفاضة السورية التي دخلت شهرها السابع اندلعت كما سابقاتها في موجة الثورة التغييرية المتواصلة في المنطقة بصورة عفوية من الوسط الشبابي الشعبي ليست ثورة او انتفاضة او حركة شعبية تقف من ورائها قوى وتيارات سياسية تقليدية فشلت في تحقيق الحد الأدنى من برامجها وشعاراتها المرفوعة منذ مايقارب القرن  ليس من اجل طرد الاستعمار واعلان الاستقلال كما في حالة حركات التحرر ولامن أجل الوحدة العربية كما في حالة الاحزاب القومية ولامن اجل الاشتراكية كما في حال الاحزاب الشيوعية ولا من اجل الاعلان عن دولة اسلامية وشعار الاسلام هو الحل انها انتفاضة ثورية من نوع جديد تحمل بذور جذوة النضال التاريخي من اجل التقدم وعصارة ماقدمته العولمة المعلوماتية والتطور التكنولوجي والثقافي والاجتماعي ومتطلبات الجيل الجديد الحياتية والمستقبلية وطموحات الجماهير الشعبية التواقة الى الحرية واستعادة الكرامة والتنعم بالحياة السعيدة الآمنة والمستقبل الزاهر .
     لم تكن الانتفاضة الثورية السورية لوحدها تواجه التحديات من كل حدب وصوب بل واجهت مثلها ثورتا تونس ومصر وقد تكون التجربة السورية أكثر تعقيدا من مثيلاتها في بلدان الربيع العربي لأنها تواجه ” الردة ” من مصادر عديدة أولها النظام على طريقته الدموية الخاصة المفرطة المعروفة وبدرجة ثانية من القوى والتيارات السياسية السورية التقليدية لاجهاضها عبر الصراع السياسي والمواقف المهادنة النقيضة لتوجهها التي تقف في حدود معينة لاتتجاوز الاصلاحات الشكلية تحت رعاية رأس النظام بدعوى الحفاظ على سلامة الدولة ومؤسساتها بعكس ماحصل لرئيس ودولة العراق حسب الاسطوانة المشروخة ومن السياسات الاقليمية في الجوار السوري من دون استثناء وكذلك من أنظمة جامعة الدول العربية التي تتحفظ على مبدأ التغيير الديموقراطي ولاتتمنى أن يقرر السورييون مصيرهم بأنفسهم ومن اسرائيل التي لاتريد أن تتخيل سوريا بدون نظام بشار الأسد ومن قوى دولية لاترغب في ” معاكسة ” اسرائيل وهي بالأساس تنطلق في اجتهاداتها تجاه عملية تغيير المنطقة من سقف لاتتخطى تجربة ” الاسلام التركي المعتدل ! ” رغم كل مساوىء النظام التركي وعجزه في حل القضية الديموقراطية وحقوق الانسان والقضية الكردية في تركيا .

  جسد الانتفاضة الغض يتلقى سهام الضربات من مصدرين : واحد آلة النظام العسكرية الأمنية بكل تشعباتها ومصادرها وهي الوحيدة التي تدفع الثمن من دماء شبابها قتلا وخطفا واغتيالا واعتقالا وتشريدا وحرمانا في حين لم يتعرض أي”  زعيم أو قائد أو مسؤول حزبي أو ناشط سياسي ” من وسط المعارضة التقليدية العلنية الى التصفية الجسدية لأنها بالنسبة للنظام لاتشكل خطرا محدقا بل قد تنفع كأحد خطوطها الدفاعية في مراحل معينة أو بديلا يسوق له النظام عند اللزوم بهدف مواجهة شعار اسقاط النظام رئيسا ومؤسسات وآيديولوجيا وبنى فوقية وتحتية الذي تتبناه الانتفاضة .
 المظاهر والمشاهد المتتالية من حول الانتفاضة السورية بالداخل والخارج وبغالبيتها الساحقة ( وأستثني هنا حالتين واحدة ” مؤتمر التغيير السوري ” في أنتاليا التركية كتظاهرة وطنية داعمة للداخل الثائر الذي كان متنوعا ومعبرا عن كل المكونات السورية وملتزما بالانتفاضة وفي خدمتها رغم انتهاء مفعوله باعلان البيان الختامي وكذلك ” المجلس الوطني الانتقالي ” الذي أعلن في أواخر آب المنصرم من أنقرة وتميز بالتوازن وشمول الملتزمين بالانتفاضة وخطها السياسي منذ اليوم الأول ولأنه الوحيد الذي تبنته غالبية تنسيقيات الانتفاضة من الداخل ) من تحركات ومؤتمرات وبيانات واعلان مجالس تتكامل رغم التنافسية الشكلية وتتشابه رغم اختلاف التعابير والمصطلحات  وتتلاقى رغم تباين الأسماء والمسميات فهي تجمع بصورة مباشرة أو مستترة على الآتي : 
 أولا – تجاهل حتمية التطور التاريخي في استلام الجيل الجديد بغالبيته الشابة قيادة عملية التغيير الديموقراطي عقب التدهور الحاصل في بنية وفعالية التيارات السياسية التقليدية الحزبية والحركية (القومية والشيوعية والاسلامية) وعجزها عن تقديم برامج واقعية متطورة وتحقيقها على أرض الواقع بشأن القضيتين الوطنية والديموقراطية وكل المشاكل التي تواجهها البلاد وتاليا بخصوص التنمية وفشلها في مواجهة نظام الاستبداد منذ أكثر من أربعة عقود بل مهادنته والسير في ركابه في معظم المراحل ولدينا من الدلائل والشواهد والوثائق الكافية لتأكيد مانذهب اليه اذا دعت الحاجة .
 ثانيا – رفض اعتبار الانتفاضة الثورية وقياداتها الميدانية مصدرا أساسيا للشرعية الوطنية في المرحلة الراهنة وبالتالي ” مزاحمتها ” ومحاولة النيل من صدقيتها وكفاءتها ومحاصرتها في معظم الحالات باستغلال متطلباتها وحاجاتها المادية والانسانية حتى تستطيع الاستمرار والعيش في الحدود الدنيا والتدخل في شؤونها الى درجة بث الفرقة والانقسام في صفوفها خدمة لأجندة حزبية وسياسية معينة .
 ثالثا – تغليب العامل الخارجي على الداخلي واعتبار القرار السياسي الرئيسي والحاسم في أيدي تيارات المعارضة التقليدية خارج البلاد وخاصة في بعض دول الجوار السوري وبالأخص حكومة تركيا وحزبها الاسلامي الحاكم .
 رابعا – اذا كانت الثورة المصرية بكل ثقل شعبها وموقعها العربي والدولي تعاني من ” الثورة المضادة ” بعد انجاز مرحلتها الأولى في اسقاط النظام من جانب التقليديين عسكريين ومدنيين وبصورة خاصة من حركة الاخوان المسلمين حول النظام السياسي والدستور واعادة بناء الدولة الجديدة فان الانتفاضة الثورية السورية بدأت بمواجهة ” الردة ” المتعددة المنابع   وهي في منتصف الطريق وبصورة استباقية مما يضاعف من مهامها ويزيد المخاطر والتحديات وقد يكون ذلك لصالحها في المديين المتوسط والبعيد بشرط أن تتنبه لضرورة الاعلان عن أهدافها المستقبلية ومواقفها تجاه سوريا الجديدة .
 خامسا – ” الردة ” الأخيرة جاءت من محوري ” الدوحة واستانبول ” لهما توجهات متقاربة ومصالح مشتركة ورؤا متقاربة بخصوص الموقف من الانتفاضة من حيث الدور والمستقبل والشباب والنظام فالمحوران ممانعان كما نظام الأسد في الأول تمت محاولة التسويق لمشروع قطري – ايراني وباستحضار التيار المهادن في اعلان دمشق وبعض من جماعة – سمير اميس – ومن المتعاملين مع شعبان – المملوك والداعين الى ترشيد نظام الأسد وليس تغييره وفي الثاني تصدر الاسلامييون ” الممانعون ” المشهد الذين لم يقطعوا مع النظام السوري وبدعم مباشر من ” جهاز الأمن الخارجي التركي – الميت ”  وللمرة الأولى في تاريخ  مؤتمرات المعارضة في تركيا لشعور الأتراك بخطر الدور الايراني في مشروع ” الدوحة ” مع تطعيم القائمة بأسماء شتى واغراقها بالعشرات وبالنهاية – واذا ما استمروا – سيتحكم بضعة أشخاص من الذين بأيديهم المال والعلاقات وهم معروفون من الآن .
 سادسا – كما توضح فقد استقبل مختلف مجاميع التنسيقيات الكردية وكذلك نشطاء الحركة الكردية ومثقفيها وبعض منظماتها أخبار الدوحة واستانبول بشيء من القلق وخيبة الأمل من حيث اقصاء الكرد والمكونات القومية والطائفية الوطنية الأخرى وتجاهل قضاياهم وهو أمر متوقع لأن جميع المرجعيات الكردية وشباب الانتفاضة على وجه الخصوص على دراية بالمعادلة القائمة وهي أن القومويين والاسلامويين يحبذون التعامل مع ” أكرادهم ” من صنف المناقصين الذين لايعبرون عن ارادة الشعب الكردي ولايلتزمون بالحد الأدنى من المطالب الكردية ولا صلة لهم بتنسيقيات الشباب الكرد ولايتمتعون باصالة نضالية في تاريخ الحركة .
   الانتفاضة الثورية السورية غير معنية كثيرا لمايجري في الخارج وليست ملزمة بقرارات ومجالس وبرامج تصاغ في عواصم الدول الأجنبية خاصة وأن غالبيتها ” تمرر ” من وراء ظهرها بغية فرضها وتحويلها الى أمر واقع وهي منوطة بضرورة المشاركة الفعلية في العملية السياسية الى جانب مهامها الميدانية وعليها مع كل مناصريها في الداخل والخارج الذين اندمجوا وتفاعلوا معها ووقفوا الى جانبها منذ اللحظات الأولى وهم غالبية السوريين أن يقولواكلمتهم صريحة حاسمة قاطعة من دون تأجيل أو تردد .

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…