المبعوث الأمريكي بين التطبيع القسري وتجهيل الواقع السوري

د. محمود عباس

المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ولبنان، توماس باراك، يحاول أن يسخّر جميع القوى لهدف واحد، ويضحي بكل مكونات سوريا وحقوقها، لإقناع حكومة الجولاني على التطبيع على مستوى السفارات مع إسرائيل، وما أقدمت عليه إسرائيل من قصف وزارة الدفاع، كانت إما رسالة مباشرة لفرض التطبيع، أو أنها أبعد من ذلك، وهي أن مهمة الجولاني وهيئة تحرير الشام تكاد أن تنتهي، فالتجاوزات بحق الدروز الموحدين تؤثر على مصالح وأمن إسرائيل، وبها أُخرج الجولاني وحكومته من قوقعتهم السياسية، وكُشفوا على حقيقتهم.

وهذا ما أثر على توماس براك رغم اعتراض أمريكا على الهجوم، فبينما أوقفت إسرائيل، تحرّك هو نحو القوة الكوردية المتحالفة مع الأمريكيين، لإعادة الحوارات مع الجولاني، في محاولة لإعادة مكانته التي خسرها بعد جرائم السويداء والقصف الإسرائيلي، ومن خلال هذا، يحاول أن يوثّق العلاقة بين مكونات سوريا، وعلى الأرجح سيعيد النظر في طروحاته حول “حكومة واحدة، وشعب واحد، وجيش واحد”، وهو تكتيك يتعارض مع الإستراتيجية الأمريكية في سوريا والمنطقة وتحالفها مع القوى الكوردية، ولعله بات مقتنعًا أنه يتعامل مع فكر متطرف لا يقبل إلا ذاته، وأنه لا يمكن لهذه الحكومة أن تبني سوريا عصرية، وما قاله بأن الجولاني هو “واشنطن أمريكا” بالنسبة لسوريا، لم يكن فقط مبالغة كارثية، بل جهالة ثقافية وضحالة فكرية في فهم التاريخ ومنهجية المنظمات الدينية.

الإشكالية ليست فقط فيما يقوم به توماس براك، بل في ضحالة معرفته الثقافية بأسس وخلفيات الصراع الجاري في المنطقة، ومدى عمقه التاريخي والمذهبي والقومي، إنه رجل أعمال بارع، وصاحب خبرة سياسية، لكنه يفتقر للوعي الضروري لفهم طبيعة الشرق الأوسط وشعوبه، من حيث البعدين الديني والقومي، لا يعلم أن العداء الحقيقي الذي يدمّر شعوب المنطقة ليس موجَّهًا ضد إسرائيل كما يُروَّج، بل هو نتاج ثقافة مشوَّهة، متغلغلة في عمق الوعي الجمعي، تُكرّس الكراهية ضد كل مكوّن غير عربي أو غير مسلم، بل وحتى داخل الإسلام ذاته، حيث نجدها مستفحلة بين السنّة والشيعة، بل وأحيانًا بين طوائف السنّة أنفسهم، أكثر من العداء المزعوم لليهود أو لإسرائيل.

ولو كانت القضية فعلًا تتعلق بالعداء لإسرائيل، لكنا اليوم أمام دولتين متجاورتين، إسرائيل وفلسطين، تعيشان وفق مبدأ “دولتين لشعبين”. ولكان الطريق نحو السلام قد رُصف منذ عقود، لكن واقع الحال يقول إن هذه الثقافة العدمية هي التي تُعادي كل شكل من أشكال التنوع، وهي ذاتها التي تُعارض بشراسة فكرة النظام الفيدرالي اللامركزي في سوريا، رغم أن معظم النظم الإسلامية التاريخية، رغم طغيانها، قامت في جوهرها على شكل من أشكال الفيدرالية، والتعددية الإدارية، والعرقية، والدينية.

والأدهى أن تركيا نفسها، التي ترفض أي مشروع ديمقراطي في سوريا، فرضت على ما تسمى بالحكومة السورية الانتقالية نموذجًا مشوهًا من الفيدرالية الطائفية التبعية، بينما تحارب بعنف المشروع الفيدرالي الديمقراطي الذي يتبناه الحراك الكوردي، ومن بينهم الإدارة الذاتية، في غربي كوردستان، أو ما يُعرف بشمال شرق سوريا، إنها ثقافة التناقض، والعداء الأعمى، لا لمنطق الدولة، بل لفكرة الشراكة والكرامة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

19/7/2025

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…