هل تقترب كوردستان من لحظة التحوّل التاريخي

حوران حم

 

في قلب العاصفة الإقليمية التي تشتدُّ ملامحها كل يوم، ومع قرع طبول الحرب بين إسرائيل وإيران، تبدو المنطقة برمّتها وكأنها تدخل مرحلة ما بعد “المنظومات الحديدية” التي حكمتها لعقود. أنظمة متكلّسة قامت على الإقصاء القومي والديني، وفي مقدمتها النظام الإيراني، تهتزّ أمام زلازل جيوسياسية متسارعة، تخلخل موازين القوة التي طالما شكّلت الجدران التي اصطدمت بها القضية الكردية.

لم يكن الكورد يوماً بعيدين عن مركز النار، لا بوصفهم أطراف نزاع، بل باعتبارهم مادة صراع، ووقوداً لصراعات الآخرين. لكن التاريخ يُظهر، في لحظاته المفصلية، أن الشعوب التي ظلت على هامش “القرارات الدولية” قد تجد نفسها فجأة في صميمها، إذا ما أحسنت التقاط الفرصة. واليوم، تبدو اللحظة قريبة أكثر من أي وقت مضى، لا بسبب “نضج” المجتمع الدولي، بل بفعل تفكك بنى الدول المتسلطة على كوردستان في أجزائها الأربعة.

إيران على حافة الهاوية… والشرق الكردي يتهيأ للعودة

المواجهة بين إسرائيل وإيران ليست مجرّد اشتباك محدود. إنها صراع بنيوي بين مشروعين متناقضين، يجرّ خلفه تحالفات دولية، ويهدد بإعادة رسم توازنات القوى في الشرق الأوسط. وإذا ما اندلعت هذه الحرب الشاملة، فإن أول ما سيتأثر بها هو مركز القرار في طهران، الحارس الأشرس ضد تطلعات الكورد في إيران.

شرق كوردستان – الذي حوصر بالقمع والحرمان لعقود – قد يجد نفسه أمام لحظة تاريخية نادرة. فمع تصدع السلطة المركزية، لن يكون مستغرباً أن تنهض مدن مثل مهاباد وسنه وسقز من جديد، لا كتظاهرات مطلبية فحسب، بل كحركة تحرر قومي تملك امتداداً إقليمياً، وزخماً دولياً، في ظل انهيار الحرس الثوري وتراجع السيطرة الأمنية الفارسية على الأطراف.

الفرق هذه المرة أن الكُرد هناك ليسوا وحدهم. فكل الأقليات المضطهدة في إيران – عرب الأحواز، البلوش، والتركمان – يرفعون الآن الصوت ذاته: لا عودة لحكم المركز. وإن أحسن الكورد نسج التحالفات مع هذه الشعوب، فإن مشهد “ما بعد إيران” قد لا يكون مجرد تغيير نظام، بل بداية تفكيك بنية استعمار داخلي عمرها قرون.

سوريا دون إيران… وكورد روجآفا على أعتاب التسوية

في غرب كوردستان، لم يعد بقاء نظام الأسد مرهوناً فقط بالروس، بل بالميليشيات الإيرانية المنتشرة في عمق الجغرافيا السورية. وإذا ما انكفأت إيران بفعل الحرب، فإن هيكل النظام سيتصدع، وسيفقد الأسد ذراعه الأكثر إخلاصاً وقدرة على البطش.

حينها، سيجد النظام نفسه مجبراً على تقديم تنازلات لم يكن يقبل بها من قبل، ليس فقط في الشمال الشرقي الكردي، بل في عموم البلاد. وهنا، يمكن للكورد أن يفرضوا معادلة جديدة، بوصفهم قوة أمر واقع ذات شرعية شعبية وإدارية، إذا ما نجحوا في نقل مشروع الإدارة الذاتية من مستوى “الإدارة المحلية” إلى نموذج سياسي تفاوضي يحظى بدعم دولي وإقليمي.

لكنّ الشرط الأساسي لذلك، هو الخروج من الحلقة المفرغة: خطاب الهويات المغلقة، والجمود الأيديولوجي، والارتهان للتوازنات الأمريكية أو الروسية. وحده المشروع الكردي المنفتح والمتوازن، القادر على لعب دور في مستقبل سوريا ما بعد إيران.

العراق المتحوّل… واستقلال كوردستان يعود إلى الطاولة؟

جنوب كوردستان، حيث يقف الإقليم على تخوم صراع إيراني-أمريكي مزمن، قد يكون أكثر الأجزاء الكردية قابلية لتحوّل سياسي سريع. فبغداد، التي ظلت تتذرع بالميليشيات المدعومة إيرانياً لكبح طموحات الإقليم، قد تفقد هذه الورقة، وتجد نفسها أمام واقع جديد: إقليم كردي قوي، متماسك، ويحظى باعتراف غير مباشر من الفاعلين الإقليميين.

إذا ما انسحبت إيران، أو ضعفت قدرتها على التحكم في مفاصل الدولة العراقية، فإن الطريق سيكون ممهّداً لإعادة إحياء خيار الاستقلال، هذه المرة، ليس عبر الاستفتاء وحده، بل عبر بناء تحالفات إقليمية ودولية تجعل من الدولة الكردية عنصراً ضرورياً للاستقرار، لا خطراً عليه.

شمال كوردستان… الخزان السياسي الذي قد ينفجر

في تركيا، تبدو الأمور أكثر تعقيداً. فالنظام التركي، الذي لطالما استثمر في ورقة العداء للكورد لتمتين سلطته، قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: انهيار نفوذه الإقليمي، واتساع الحضور الكردي من العراق إلى سوريا، وتحولات داخلية مرشحة لتفجير أزمة هوية سياسية في قلب الدولة.

إذا ما أدرك الكورد في شمال كوردستان أن الانفجار الإقليمي قد يخلق ثغرات داخلية، فإن مرحلة جديدة من النضال السياسي قد تبدأ، تستند إلى بناء جبهة ديمقراطية تركية-كردية، تطرح سؤال الفيدرالية أو الحكم الذاتي كحلّ تاريخي للصراع المزمن.

الفرصة التي لا تأتي مرتين

تتشكل اليوم بيئة جيوسياسية نادرة: أنظمة تنهار، قوى تراجع نفوذها، وتحالفات تتبدل. وإذا لم يمتلك الكورد رؤية موحدة، وخطاباً عقلانياً، وقيادة ناضجة تتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة، فإن هذه اللحظة قد تمرّ كما مرّت لحظات سابقة: بكثير من الأمل، وقليل من المكاسب.

لكنّ الفرق هذه المرة أن العالم قد تغيّر، ولم يعد يقبل ببقاء شعوب كاملة داخل أقفاص التهميش. وإذا ما اجتمعت الإرادة الكردية – شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً – على مشروع سياسي واحد، يستند إلى الحقوق، لا إلى ردات الفعل، فإن فجر كوردستان لن يكون وهماً.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…