” الفكر” الكردي السوري وسوسيولوجيا “الفشل” …!

اكرم حسين

 

لم يكن  “الفشل” الكردي عبر عقود ، نتاج لمؤامرات خارجية أو استهداف  مستمر من قبل الأنظمة التي تسيطر على كردستان فقط ، بل هو، في جانب اخر، تعبيرعن أزمة عميقة في البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية للكرد السوريين  أنفسهم. ثمة خلل مركب في العلاقة بين الفكرة والممارسة، وبين المجتمع والسياسة، بين الثقافة والهوية، جعل من التكرار وإعادة إنتاج الذات  سواء على صعيد البنية أو “الفواعل” انفسهم ، سمة ملازمة للمشهد الكردي السوري ، مما جعل من الاخفاقات المتتالية مرآة تعكس هشاشة المشروع الوطني الكردي  المعاصر. فـ”الفكر” الكردي لم يستطع حتى اليوم أن يؤسس لنفسه قاعدة عقلانية نقدية قادرة على تجاوز الانفعالات اللحظية ، والنزعات الخطابية المفرطة في الرومانسية ، و المخيال الشعبي ، حيث لا يزال هذا الخطاب مأسوراً إما بالتاريخ “المجيد” أو بالمظلومية المزمنة، دون أن يُقدّم تصورات واقعية لبناء حاضر متماسك أو مستقبل ممكن. . 

ان هذا “الفكر”، بدل أن ينتج احزاب أو مؤسسات حقيقية، انشغل بتقديس الرموز والاشخاص ، وبدل أن يُبلّور مشروعاً سياسيا قابلاً للتطبيق، انغمس في استنساخ النماذج الفاشلة أو استيراد الأيديولوجيات الجاهزة التي لا تنبع من السياق الكردي ولا تستجيب لخصوصيته ،  وإذا كان “الفكر” قد “فشل”، فإن البنية الاجتماعية لم تكن أوفر حظاً، فقد ساهمت بشكل مباشر في إنتاج هذا الفشل عبر تكّريس الولاءات العشائرية ، والجهوية ،  والشخصية ، على حساب الولاء للقضية أو للمشروع الوطني ، إضافة إلى  ثقافة الشك والتخوين والانشقاق ، والتنافس المرضي ، بدل ثقافة الحوار والتعاون والتدافع الإيجابي.

و في قلب هذه السوسيولوجيا الفاشلة تتجلى ملامح غياب المؤسسات، فلا مؤسسات حزبية حديثة، ولا مجتمع مدني حيوي، ولا حتى تقاليد ديمقراطية نسبية  داخل التنظيمات الكردية نفسها ، ويكاد صراع الشرعيات أن يكون الثابت الوحيد في المشهد الكردي؛ شرعية تمثيل الداخل أم الولاء للخارج، الشرعية الثورية أم الشرعية التاريخية ، شرعية البندقية أم شرعية التمثيل السياسي ، دون وجود آليات لحسم هذه الإشكاليات ضمن أطر قانونية ومؤسساتية متفق عليها ، ويزداد المشهد تعقيداً حين يتحول المثقف إلى جزء من منظومة “الفشل”، ويتخلى عن دوره النقدي ويذوب في الانتماءات الحزبية ويصبح واعظاً ، وناصحاً ، فاقداً لسلطته ، ولدوره في إنتاج المعرفة ، أو يتحول إلى مجرد واجهة إعلامية تبريرية لهذه القوة أو تلك، مما يفقد الحركة الثقافية الكردية استقلاليتها وقدرتها على التأثير الحقيقي.في حين ظلت  العلاقة بين السياسي والثقافي، قلقة ومتوترة، حيث الهيمنة السياسية تطغى على المجال الثقافي، وتختزله إما في الترف الخطابي أو في الدعاية الحزبية، في الوقت الذي يجب أن تكون فيه الثقافة، رافعة للوعي والتحرر وإنتاج المعنى العميق للهوية ، وفي ظل كل ذلك، لم تكن النخبة الكردية بمستوى اللحظة التاريخية، فهي إما نخبة “انتهازية” تلهث وراء مصالحها، أو نخبة “منفعلة” وعاجزة عن الصياغة والتأثير، أو نخبة “مثالية” تقف على الهامش ، وتكتفي بدور المتفرج الناقد. لقد فشلت هذه النخب في خلق فضاء عام يلتقي فيه السياسي بالاجتماعي، والثقافي بالإعلامي، والوطني بالقومي، ولم تنجح في نقل الحراك الكردي من حيز المطالب الهامشية إلى فضاء التأثير الحقيقي في مجريات الأحداث الوطنية والإقليمية ، وما زال الوعي السياسي الكردي يعاني من تشوهات كثيرة، في مقدمتها غياب ثقافة التراكم، حيث يبدأ كل جيل من نقطة الصفر، ويعيد اختراع العجلة….!، وكأن ما مضى لا قيمة له. في حين أن الشعوب الحية هي التي تبني على تجاربها، وتصحح أخطاءها، وليس  تكرارها ، ولا يمكن تجاهل العامل الخارجي في هذه المعادلة، لكنه ليس المحدد الوحيد، فالتبعية السياسية للخارج، والاستقواء بالمحاور الإقليمية، والتنافس على نيل رضى العواصم، كل ذلك جعل من القرار الكردي قراراً مشوشاً، فاقداً للثقة والاستقلالية، وأسيراً لحسابات تتجاوز مصالح الشعب الكردي نفسه.

 لقد بات من الضروري أن ندرك بأن النهوض الكردي لن يكون ممكناً من دون مراجعة شاملة تبدأ من إعادة صياغة الفكر السياسي الكردي السوري نفسه، ومغادرة مربعات الأيديولوجيا المغلقة، والانتقال إلى مشروع وطني ديمقراطي جامع، يؤسس لمجتمع متماسك ومؤسسات حقيقية وثقافة مدنية تحررية. فالفشل لا يتحول إلى مصير إلا إذا قَبِلنا به، ولا يُهزم شعب إلا إذا انهزم فكره ، ومتى امتلك الكرد فكراً حيّاً وحرّاً ومستقلاً، حينها فقط يمكن الحديث عن مستقبل مختلف لا يشبه هذا الماضي المُعلّق بين البطولة والخيبة… ؟

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…