أي محمد قاسم: وصولاً بالسلامة لروحك النقية إلى رحابة مثواك الأخير

إبراهيم محمود

هو ذا اسم آخر، ويا لوقع سماع كهذا في فاصل زمني غير مرغوب فيه، من مكان آخر، من موقع آخر، ومن شغف آخر بالحياة الأخرى، والصوت الآخر، والكلمة الأخرى، وفي يوم آخر، ولحظة مباغتة أخرى، في تاريخ آخر، هو “13-9/ 2021 ” في يومه الثقيل بثوانيه ودقائقه وصورته، وقد ترجّل صديق الكلمة الطيبة العزيز الأستاذ والمربي الكردي محمد قاسم، من أعالي ديريك، من أعالي ألمه الكردي، وحلمه الكردي وتوقه الكردي إلى أعالي الأمل الكردي بلغة الجمع، ليكون في انعطافة روحية، منتقلاً في عودة نهائية مقرَّرة بغتة، دون رجعة.
أعني به بافي ” بيمان Peyman “: أي العهد/ الميثاق، النذر كذلك، أعني به الذي أعرفه، أعني المأخوذ بخفة الروح حيناً، وبالحزم في القول وفي الكتابة والعلاقة عند اللزوم، والانغماس في مرح مع الآخر في الوقت المناسب، ومستحقاً لقب المرّبي في الحالات كافة. بافي ” بيمان ” الذي لم أعلم عنه أي شيء في المتبقي من عمره المحتسَب الأخير، على وقْع هذا التمزق الروحي لدينا وفينا، والشتات الكردي المتعدد الأصناف والأسباب والمآلات، سوى ما يصلني بالأخبار، ووطأة منحنياتها المقلقة، حصيلة تخوفات لا تنقطع، وضغوط يومية، تنفذ بأوجاعها ومرارتها إلى كل خلية جسدية، إلى كل مسام جسدي، إلى كل خفقة روح، وكل شهيق وزفير، وما يضاف إليها، وهي في صدمتها وحرقتها وصفاقة محتواها، ما يصدم من جديد الوجع، وعتيد الألم الكردي، حيث يعيش الكردي الكردي ميتاته الرمزية بما لا يقاس، حيث يعيش حيواتها، وهي في نسبها الجمْري، والوعد المتسوف والمتلاحق بالمؤجَّل إلى إشعار آخر وآخر إلى الآن، ولا أظن للحظة واحدة، أن العزيز بافي بيمان، أن كاتبنا بافي بيمان، أن إنساننا الكردي المعلوم طبعاً بافي بيمان، أن باحثنا التربوي، ويا لثقل أمانة الاسم، وضريبة التسمية: بافي بيمان، لا أظن لثانية واحدة وما دونها، أنه كان في غفلة مما يمكن أن يحصل حيث يزداد مذاق التالي موصولاً باللاحق مرارة وإشهاراً بأن دوامة الوجع الكردي، ومكابدة العمر الكردي، ومؤاساة الحرف الكردي وهو في استواء سخونته الاستثنائية، في توسع وتعمق وتضييق الخناق أكثر، على من يعيش إنسانية كرديته، أو كرديته وهي في سويتها الروحية، وهي في مضاء المتوخى منها، في محيط يزداد انفلاقاً وانشقاقاً وإقلاقاً لراحة كل ” ارتدى ” ساعة الزمن الكردي الخاصة، وهي في ثوانيها الدهرية، وهي فيما يتعدى فسحتها الزمنية الواحدة، حيث يمتد الزمن رصاصاً وأي رصاص، في الليل الكردي الذي لا يُشَك في أمر طغيان ظلامه ومقامه والمنتظَر دون حساب.
العزيز الراحل إلى رحابة مثواه الأخير، أعني به مجدداً بافي بيمان، أي محمد قاسم باسمه المرئي دون لبْس، أدرك تماماً ما كنت عليه في ” الحقبة ” الأخيرة من عمرك، وهي الطوع القسري لما لم ترغب فيه، لم ترده، شأن أي كردي كردي، يعيش تاريخاً حي، في عالم حي، وواقع حي، والجاري معكوس، لتصبح الغصة علامة فارقة، لمن ينتقل من حسرة إلى أخرى شقيقتها الأكثر إيلاماً وإعلاماً بنوعية الجرح المتسبب باسمها، أدرك ما كنته في محصلة ما عشت، وأنت في بيتك الديريكي الكردي الحزين عليك الآن، وأنا أعرف بيتك هذا جيداً، أعرف مكتبتك المفتوحة الآن في حدادها وصمتها، إثر المعلَن الأخير باسمك: رحيل بافي بيمان، وأي ملح كاو، كان يزيد من ألم جرك أم بيمان، وثماركما: شباباً، بناتاً، وأهلاً وأحبة في محيط جغرافي واسع، ونقاط تواصل تلقّوا نبأ رحيلك الأبدي وهم يعيشون عنف المعاش، وعسف البعد.
وماالذي يمكن أن يضاف، وليس من إضافة فعلية، إن دقّق في المكتوب، أو ما يمكن أن يكتب في اللامناسبة، وهي تزيد في وجع اللحظة وألمها، ما لا يراد لها أن تكون مناسبة في وضع كهذا، حيث الفراق الأبدي هو الحاضر هنا دون استئذان والفارض ضراوة المتصرف باسمه.
أيها العزيز حيث تكون أنت بصفاء روحك، وبصيرتها الأخرى، وممشاك المحمول الأخير، وصمتك المختلف الأخير، ومشهد خروجك الروحي الأخير، في المسماة جنازة مرئية بتمامها، وصورة” هي صورتك أنت طبعاً ” تتقدمها، إلى حيث تتحرر من وجعك اليومي، ومن وعد المنتظر كردياً، وقد ارتحل معك إلى حيث ترقد روحك، وهي تحلّق في جهاتك الكردية بالتأكيد.
طبت روحاً بافي بيمان، والعزاء الفردي والجمعي لعائلتك في مجموعها، وأهلك في مجموعهم، وأحبتهم في مجموعهم، ومعارفك في مجموعهم، وكل جهة لامسها ظلك ذات لحظة في مجموعه، والذين يتابعونك حيثما كانوا في مجموعهم….

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…