القهر , الهدر , الفلتان الأمني عناوين صارخة لحالة الشعب السوري في ظل الوضع الحالي

بقلم : فرحان مرعي

المقهور هو ذلك الشخص الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الظلم الواقع عليه أو يعجز أن يدافع عن نفسه في مواجهة الأخطار المحدقة به سواء من المجتمع أو من الطبيعة فيرضخ رغماً عنه لذلك الواقع والأمر , وبالتالي يفقد السيطرة على مصيره وتحديد مسار ذلك المصير , فيتحول عندئذ إلى إنسان آخر , إنسان مهدور القوة والطاقات , مهدور الكرامة والشخصية والقيمة والوعي والفكر …ليصل في النهاية إلى أن يصبح مهدور الدم ( فلان دمه مهدور ) أي يصبح لا شيء في عيون القاهرين
ألعوبة في أيديهم يسيَر وفق  إرادتهم وظروفهم , ينهتك , يُنهب , يُقمع ….ويجردونه من عواطفه الحقيقية ,  يدفعونه إلى البكاء والحزن في الوقت الذي يريد أن يضحك , أو يرقصونه ويضحكونه في الوقت الذي يريد أن يبكي أو يحزن …فيصبح مثار الشفقة والتهكم وهذا a] أنواع أ أشد أنواع القهر ( الإنسان السوري نموذجاً ) حيث لم يعد مقهوراً قانونياً واقتصادياً وسياسياً وجسدياً فحسب ولكنه مقهور نفسياً , مريض دون مرتبة الأنسنة  – لا يحسب في عداد الكائنات البشرية لذلك لا يحسب ولا يرصد له ميزانية في الدولة المنتمية إليها , ميزانية الخدمات والمعاشات والأمن ( حماية المواطن من الأخطار الطبيعية والبشرية ) فإذا ما تعرض للقتل تقيد الجريمة ضد مجهول أو إذا أصابته كارثة طبيعية زلزال , فيضان لا تتحرك الدولة لإنقاذه لأنه محسوب في عداد البشرية المهدورة .


وتتجلى مظاهر القهر و الهدر أول ما تتجلى في البطالة المستشرية في البلاد , تقول بعض المصادر غير الرسمية إن عدد العاطلين عن العمل في سوريا يتجاوز أربعة ملايين عاطل , فالعدد بحد ذاته يبين عدد المقهورين و المهدورين لأن العاطل عن العمل مهدور الشخصية والقيمة الإنسانية لأنه يعيش تحت الخط الفقر // مادون خط البشر // لأنه يتعرض إلى القمع والسجن والتهجير والحصار والتصفية الجسدية ….

ولكن الحالة لا تتوقف عن هذا الحد من الحرمان والقهر فإن الإنسان المقهور يشحن يومياً بكمية كبيرة من الغضب والحقد والكراهية والفعل وردات الفعل , فالجائع متوتر والعاطل متوتر والمظلوم متوتر …….

وفي ظل القهر يكره الناس بعضهم ويتنافسون كأنهم أعداء بدلاً من أن يتآزر ضد العدو الحقيقي , وتظهر هذه الحالات الانفعالية في كل لحظة في البيوت والشوارع والمحال التجارية والأسواق والحارات ….

ومن الملاحظات اليومية والميدانية للشارع السوري إننا نرى إن الإنسان السوري ينفعل لأتفه الأسباب وغالباً ما تأخذ الخلافات الشخصية التافهة والخاصة والسطحية طابعاً عاماً , طابعاً سياسياً أو طائفياً أو مذهبياً أو مناطقياً مما يؤدي إلى انفعال المواطنين وهيجانهم .


لذلك نجد إن الملاعب الرياضية هي أكثر الأماكن لتفريغ الشحنات المكبوتة وكثيراً ما تخرج هذه الانفعالات عن السيطرة فيخرج الناس إلى الشوارع يضربون ويكسرون ويقطعون ويحرقون … كما إن المناطق المهملة والفقيرة بالخدمات هي أكثر المناطق توتراً وقابلاً للانفجار في أية لحظة , حتى أن أشد أنواع الكراهية تنبت بين المقهورين وتفسد العلاقات بينهم , الكراهية بين القوميات والطوائف والأديان والمناطق … ( الوضع السوري الحالي نموذجاً ) .
إن هذه الظروف وغيرها تؤدي عادة إلى ظاهرة الفلتان الأمني والتي بدأت بوادرها تظهر شيئاً فشيئاً في معظم محافظات القطر  من السرقات اليومية للمنازل والمؤسسات العامة إلى نهب المحلات التجارية إلى القتل المنظم ( الجريمة المنظمة حيث القتل دون تحرك آثار للجريمة أو طمسها من قبل السلطة ) ميليشيات إجرامية ( خلايا نائمة ) حسب تعبير أبواق السلطة , تتخذ هذه الخلايا طابعاً دينياً وأحياناً عشائرياً وهي في أغلب الأحيان من صنع الأجهزة الأمنية , ولظاهرة الفلتان الأمني أسباب عديدة فإلى جانب الظلم والاستبداد وانعدام الحريات والتمييز والفساد واستئثار القلة لثروات البلاد …هي تلك الانعكاسات السلبية للأوضاع الإقليمية على بلادنا نتيجة تدخلات النظام في القضايا الداخلية للدول الجوار مما أدى أيضاً إلى نقمة دولية واستعداء من شعوب المنطقة لذلك ترى إن المواطن السوري في لبنان معرض للخطر وغير مرحب به في الأردن وفي العراق يرى معظم العراقيين إن عزرائيله يأتي من الغرب دائماً , وأصبح اسم السوري في أوربا وأمريكا مرادفاً للإرهاب .


كما ساهمت هجرة العراقيين مساهمة كبيرة في الفلتان الأمني والاقتصادي في سوريا , لأن هذه الهجرة استغلتها التجار وسماسرة العقارات والسيارات والكازينوهات وسماسرة الإرهاب لأن معظم الذين دخلوا إلى سوريا من العراقيين هم من الميسورين وحاملي الدولارات المسروقة والمهربة والمزورة , هؤلاء الذين زاحموا وأرهقوا المواطن السوري الفقير أصلاً في مأكله ومشربه ومسكنه نتيجة الزيادات في الأسعار مما زاد في الطينة بلة , و لا يخفى على أحد عمليات تبيض الأموال من قبل العراقيين وتمويلهم للعمليات الإرهابية في العراق .


في النتيجة : إن سوريا في الطريق إلى الفلتان الأمني بعد الفلتان الاقتصادي الجاري , ولن يكون الشعب السوري بمنأى مما يحدث من حوله مهما حاول النظام أن يتذرع بالرصانة والتماسك والوحدة والاستقرار المزعوم لأن تدخلات النظام في القضايا الإقليمية واللعب بالنار المشتعلة سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى امتداد اللهيب نحو حدودنا وإلى انفجارت أمنية و اقتصادية واجتماعية وتحولات سياسية في النهاية .

 قامشلو 31/5/2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…