المبادرة الثقافية الكردية 2

حواس محمود

كنت قد نشرت الجز ء الأول من هذه المبادرة في الموقع والآن انشر الجزء الثاني للمبادرة لتحريك الاجواء الثقافية والفكرية والاعلامية الكردية الراكدة أو المتناثرة للفت النتباه الى الامور الجدية والمفيدة للواقع الكردي في آن.

حرم كرد سوريا من جامعات خاصة بهم كنتيجة موضوعية عن حرمانهم من حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية  عبر حكومات سورية متعاقبة ، لكن الكرد أرسلوا أبناءهم إلى المدارس والجامعات السورية منذ أكثر من نصف قرن ، فتخرج العديد منهم من الجامعات كوادر وخبراء وأكاديميين، ومنهم من نال تعليمه الجامعي في الجامعات الأوروبية والغربية عموما وكذلك في الجامعات التابعة للدول الإشتراكية – سابقا – من خلال المنح الدراسية التي كانت تمنح للأحزاب الكردية في الستينات وحتى ثمانينيات القرن الماضي.
هذا الحرمان ذات الجذر السياسي البحت لكرد سوريا من افتتاح جامعات خاصة بهم وبلغتهم الأم واختيار الفروع المناسبة لهم أثر على العمل التثقيفي التوعوي التنويري ، وبالتالي كانت النتيجة أن الأحزاب الكردية قادت مسيرة الدفاع عن حقوق الشعب الكردي خلال مراحل سياسية مختلفة في سوريا.
وهنا غاب تشكيل المثقف الذي يملك رصيدا أكاديميا متميزا، وبالتالي جاء تكوين المثقف الكردي بصورة غير زخموية وإنما بصورة عصامية فردية، لم تتشكل شريحة المثقفين كنتيجة لتعليم جامعي ينتج مثقفا متخصصا خبيرا، يستطيع أن يوظف طاقاته بفعالية كبيرة في خدمة الشعب الكردي في سوريا، كان المثقف الكردي حالة فردية استطاع أن يستفيد من الدراسة الجامعية في الجامعات السورية والأوروبية وغيرها، ومحاولة تنوير الواقع الكردي بصورة فردية، لذلك غابت الشريحة المثقفة بالصورة الجمعوية – غاب المثقف الجمعي – وهذا ما أثر على تطور الوعي السياسي الكردي وأخذ طابعا رغائبيا وعاطفيا وارتجاليا وتجريبيا ، لم يستند الوعي السياسي الحزبي الكردي إلى مؤسسات فكرية ومراكز أبحاث ودراسة السياسات المستقبلية ، لذا كان الحزب السياسي هو مصدر الوعي  للشعب الكردي، وكانت القيادات الحزبية – ولا زالت – لا تمتلك المهارة السياسية القادرة على قراءة المحيط السياسي والظرف الذاتي الكردي بصورة موضوعية قادرة على رسم خارطة طريق التوعية وبالتالي التحرر من القهر والظلم والاضطهاد  .
ومع اندلاع الثورة السورية عجزت الأحزاب الكردية عن مواكبة الحالة السورية وزخمها الثوري، ولم تتجاوب مع الحراك الشبابي الكردي المتضامن مع هذه الثورة ، فدخلت في حوارات فيما بينها ولا زالت تتنازعها الاختلافات التي لا تأخذ كثيرا الطابع الفكري وإنما طابع المصلحة الخاصة لزعيم الحزب أو القيادة الحزبية ، وإن كانت هناك خلافات فكرية فهي قد تم طمسها تحت حجج وذرائع عدم إيلاء المعارضة السورية السياسية للحقوق الكردية ، وهي قد تسترت بهذه الحجج نفسها في الابتعاد عن الحراك الشبابي الكردي والشعبي السوري العام .
وهنا وبعد مرور أكثر من عامين ونصف من الثورة السورية المباركة اقتضت الحاجة إلى بث التنوير والتوعية في جسد الحالة الكردية لمخاطبة الأغلبية الصامتة الكردية غير المؤطرة بأحزاب وتنظيمات لتشكيل رأي عام كردي كاسح قوي يستطيع رسم المسار الموضوعي للشعب الكردي باتجاه تحقيق المصلحة القومية والمشاركة مع المكونات السورية الأخرى بالتعايش والتآخي  والحياة المشتركة  على صعيد سوريا عموما  ، وبعيدا جدا وبالتخلص من ألاعيب النظام وخزعبلاته التي تدعي أنه حامي حمى الأقليات في سورية ، لأن الكرد هم الأكثر تعرضا لظلم وقهر النظام طيلة فترة زمنية تزيد عن الأربعين عاما  من عمر الاستبداد في سوريا .
وهذا ما جسدته  مبادرتنا التي سميناها (المبادرة الثقافية لكرد سورية)- (1)  ، والتي تلخصت بضرورة تأطير الطاقات الفكرية والبحثية والثقافية والفنية والإعلامية الكردية في  إطار جامع فضفاض لتأسيس وعي كردي جديد ورأي عام يلبي طموحات الكرد في حقوقهم المشروعة في مناطقهم بسوريا ويحقق في الآن نفسه معادلة التشارك السياسي والثقافي والحضاري مع الحالة السورية العامة في سرائها وضرائها .
ملخص المبادرة يفيد بضرورة الانطلاق من واقع الأزمة الكردية ضمن تلافيف الأزمة السورية العامة ، والتي تعطي صورة واضحة عن فشل الأيديولوجيا في خدمة الشعب الكردي وتحقيق طموحاته المشروعة في المناطق الكردية بسورية من خلال أدوات ومؤسسات وتنظيمات مارست وتمارس هذه الأيديولوجيا إلى يومنا الراهن ، دون تغيير نوعي ايجابي في إحداثيات الواقع الكردي في سوريا.
قد يلتبس الأمر على بعضهم ويعتقد أن هذه المبادرة هي مبادرة بنية وقصد ضيق ومحدود لتشكيل جمعية أو تنظيم أو ما سوى ذلك، لكن من يدقق ما بين سطور المبادرة سيصل إلى قناعة واضحة مفادها أن المبادرة هي النتاج الفكري الايجابي الطبيعي لواقع الأزمة باتجاه فهم الأزمة والإنطلاق منها نحو الشارع الكردي وأغلبيته الصامتة والى كل الشرائح الاجتماعية في المجتمع الكردي التي تم تهميشها في العملية السياسية التي رافقت حالة الاستبداد المقيم لفترة زمنية تجاوزت الأربعين عاما ، خلال هذه الفترة نضجت عوامل الوعي السياسي والفكري تجاه النظام السياسي وتجاه الأدوات النضالية الكردية من أحزاب وتنظيمات تعرضت للمضايقات الأمنية (ودخل العديد من الأعضاء الحزبيين وأصدقائهم في سجون الاستبداد السورية) وتعرضت للتدجين وللاحتواء وربما الاختراق الأمني السلطوي لغياب مناخات الحرية والشفافية والديموقراطية، الآن مع تطاول الأزمة السورية ومعها الأزمة الكردية السورية ومع حرمان الشباب الكرد ومعهم كل الطاقات الكردية الواعية من التوظيف الايجابي في خدمة المجتمع وهجرتها خارجيا وغربتها داخليا واقصاءها من العمل القومي والوطني، تقتضي الضرورة الموضوعية تفعيل هذه الطاقات وتحريكها أولا بالوعي وبضرورة خدمة القومي الكردي في سوريا-  القرار الوطني الكردي المستقل –  وبالابتعاد عن الأجندات والمحاور الإفليمية التي تدخل الموضوع الكردي السوري في سوق البازارات الدولية والإقليمية دون  الحصول على استحقاق ايجابي تاريخي ملموس، وذلك بغياب العامل الذاتي القوي القادر على فرض شروطه واستحقاقاته  التاريخية على محصلة القوى الدولية والاقليمية .
ما تدعو إليه مبادرتنا – المشار إليها آنفا-  هو ترك الفردية الإعلامية والفيسبوكية التي قد تؤثر إيجابا ، ولكن لا يمكن مقارنة تأثيرها مع تأثير مجموعات الضغط الالكترونية الشاملة، التي ليست بالضرورة أن تكون مؤطرة بإطار  يشبه أطر الجمعيات والتنظيمات وحتى التنسيقيات التي شهدناها ونشهدها في عملها الفكري والميداني، إن ما تدعو إليه المبادرة هو توجه كل الطاقات الفكرية القادرة على العمل باتجاه العمل الالكتروني والميداني نحو تشكيل رأي عام كردي جديد يخدم  المصلحة القومية لكرد سوريا ، واعتبار أن الاستهتار النظري والعملي  بحقوق  هذا الشعب خط احمر لا يجب تجاوزه، وذلك من خلال ما يشبه الجيش الالكتروني الكردي الفكري الثقافي القوي والكاسح وهذا لن يتأتى إلا  من خلال كل الطاقات المهمشة كرديا والممتلكة للوعي وأدواته التأثيرية، وبهذا فإن التباسا ذهنيا من المفترض أن يزول حول احتمال محاولة البعض الغمز من قناتنا أو التشكيك بمبادرتنا، لأنها مبادرة فكرية عامة نهضوية تتجاوز الأطر النقليدية القديمة ، وبدون هذا التفكير الذي يملك أنيابا وأظافر هي التكنولوجيا وشبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات من شانها التأثير وتغيير الرأي العام باتجاه واحد وحيد هو المصلحة القومية الكردية العليا ، أقول بدون هذا التفكير لا أجد مخرجا من الأزمة الكردية الراهنة التي هي أزمة بنيوية عميقة ليس من السهل التصور أنها أزمة عابرة وتزول ، إن قوة وحيوية الشعوب هي بقواها وطاقاتها الفكرية الأصيلة والبازغة – لاسيما الشبابية منها – وبإرادتها الشامخة نحو التغيير عبر التكيف الموضوعي مع الحالة الراهنة ودراسة تراكمات الماضي وإستشراف ورسم ملامح المستقبل .
هامش :
(1)  انظر مقالنا السابق ” نحو حراك ثقافي كردي سوري واسع – موقع اورينت نيوز – 27-11-2013

…………………………….

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…