روج آفا والتضامن الكردي المفقود

 خالص مسور:

 باتت القضية الكردية اليوم أكثر تعقيداً ودراماتيكية أكثر من أي وقت مضى، وعلى الكرد ليس في روج آفا وحدها، بل في جميع أجزاء كردستان الأربعة أن يأخذوا في الاعتبار، بأن مصيرهم كشعب بأكمله بات اليوم على المحك إن لم نقل على كف عفريت، إن هم استمروا على هذا التحرك الخاطيء على أرض الواقع، والسيرنحو أزمة سياسية تكرس التفرقة والتشتت بدل الوحدة والتضامن. ففي روج آفا حيث هي جزء من النسيج الوطني الكردي جيوبوليتيكياً، سيتحدد مستقبل الشعب الكردي بأكمله. ولكن – ومع الأسف – يلوح في الأفق بوادر صراع سياسي قد يتحول في أية لحظة إلى صراع من نوع آخر لا يتمناه أي كردي غيور على بني قومه ووطنه، وستكون من نتائجها التفريط بكل المكاسب التي حققها الكرد في روج آفا بمعاناتهم ودماء شهدائهم.
والمتأمل في المشهد السياسي الكردي اليوم في روج آفا على الخصوص، سوف يدرك فداحة التشتت الكردي وتذرر التفاهمات السياسية الكردية، وتسونامي الأخطار المحدقة بالكرد جراء الأوضاع التي خلقتها الأزمة السورية وتأثيراتها على المنطقة الكردية عموماً، قد يزيدها أواراً تدخلات الجهات الأخرى من كردستان في قضية روج آفا، وهو ما يؤدي – على الدوام – إلى خلق حالة من التوتر والارتباك على الساحة السياسية الكردية في وقت هم أحوج ما يكونوا فيه إلى الوحدة وترصيص بنيان الصف الداخلي. وأخشى ما نخشاه، هو أن يضيع الكرد مكاسبهم ومستقبلهم بأيديهم لا بأيدي غيرهم، وهذا الخوف من المصير المجهول يتأتى من عدة تناقضات نراها مع الأسف قد تستعصي على الحل في الظرف الراهن والبالغة الحساسية، مع العقلية الكردية الكلاسيكية التي تبدو عاجزة عن التوافق ولم الشمل. وسنجمل هذه التناقضات بالآتي:
 1 – التناقض العلائقي مع الآخر المختلف أي العلاقة المتوترة على الدوام بين (ب.د.ك) و(ب.ك.ك) فالحزب الأول، تربطه مع تركيا مصالح شبه استيراتيجية ولا يمكن التضحية بها ضمن أي ترتيبات تحصل بين الجنوب والشمال حول روج آفا، بينما تعتبر الحكومة التركية ألد أعداء الحزب الثاني، وإن بدت في الفترة الأخيرة وكأنها تلين موقفها من القضية الكردية عموماً.
 2 – اللعبة الدولية في المنطقة، بالإضافة إلى التناقض الإيديولوجي بين الحزبين، ولكل منهما امتداداتهما في روج آفا، أي بين الإيديولوجية الإشتراكية لـ(ب.ك.ك) والإيديولوجية الإقطاعية لـ(ب.د.ك). وهو تناقض مرير يسبب على الدوام شروخاً عميقة في بنيان الصف السياسي الكردي بعموميته.
 3 – الإنشقاق والتنافر الحاصل في روج آفا، بين نهج الأحزاب الموالية لحكومة الإقليم وانضمامها إلى التحالف المعارض ضد النظام السوري، وبين نهج الخط الثالث التي يتبعه (ب.ي.د).
هذه التناقضات المستعصية بمجملها كمتاهات (مونيتور) تجعل التضامن الكردي أو المصالحة الوطنية من شبه المستحيلات، وتخلق لدى المراقب الكردي نوعاً من التشاؤم واليأس، في وقت لايمكن فيه الحفاظ على المكاسب الثورية التي حققها الشعب الكردي في روج آفا إلا بالتضامن ولم الشمل، بل سيواجه حكومة الإقليم ذاتها الإنشقاق في حال حدوث توترات عميقة في المنطقة الكردية المحررة في (روج آفا).  
 وبالتأكيد سيكون الحل هو الدعوة إلى كلمة سواء، إما بتفعيل دو(الهيئة الكدية العليا) أو انعقاد اجتماع عاجل بين قنديل وهولير وبشكل مباشر، على أن تتخذ المواقف بروح رياضية، لا يسمح فيها للمصالح الحزبية بالتلاعب بمصير الشعب الكردي. أو أن يجتمع مجلس غربي كردستان( روج آفا) والمجلس الوطني الكردي معاً، يتم فيه وبشكل منهجي مسؤول سبل المصالحة الوطنية وتقرير مصير الشعب الكردي في ذلك الجزء والذي يتقرر فيه – وكما قلنا – مصير الشعب الكردي في الأجزاء الأخرى بأكمله، وأن تبقى القوة العسكرية موحدة ومحصورة بقوات الحماية الشعبية لا لشيء إلا تلافياً للاقتتال الداخلي، مع فتح باب الإنخراط فيها للأحزاب والتنظيمات الكردية الأخرى وعودة قياداتها من الخارج، والمشاركة في بناء الإدارة الذاتية.
 وتدارس مستجدات أخرى تترك للمجلسين الإتفاق عليها وبديموقراطية التوافق، وما سوف يراه المجلسان مناسباً ليس للمصالح الحزبية الضيقة، على أساس أن مصلحة الشعب الكردي فوق كل الإعتبارات والتنظيمات والأحزاب والإيديولوجيات.

ونتمنى من الجميع أن يكونوا على قدر المسؤولية، وأن يهون كل شيء في سبيل الشعب الكردي المعذب. هذا إن كنا واعيين لقضيتنا ومصلحة شعبنا. …….

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…