هل كان للكرد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام – الجزء الثاني عشر

د. محمود عباس
ما سنورده في هذه الحلقة، لا بد منه، لتبيان الغبن الذي حصل ويحصل أثناء كتابة تاريخ الحضارة الساسانية، والتي يجب أن تعرف بأنها كانت كردية قبل أن تكون فارسية، والإشكالية التي أدت إلى تحريفها، ومن ثم تسويقها من قبل الكتاب العرب والفرس تحت صفة الحضارة الفارسية، أدى إلى أن يتبعهم مجموعة من المؤرخين في العالم، وبالتالي طمس أسم ودور الكرد كشعب وكشريحة ثقافية وقادة عسكريين وملوك في الحكم ونهوض الحركة الثقافية فيها، وتطور الأدب والفلسفة والعلوم، وبالتالي دورهم الرئيس في خلق حضارة دامت قرابة أربعة قرون.
كما ولابد من التوضيح بأننا نركز في دراستنا هذه على الحركة الثقافية في الحضارة الساسانية دون الحضارات الأقدم منها، وحتى تلك التي يؤكد العديد من المؤرخين على أنهم أسلاف الكرد، كالميدية أو البارثية أو غيرها، لأن:
1- ملوك الساسانيين جمعوا معظم شعوب المنطقة في إمبراطورية، ومؤسسها كان زعيم أحد العائلات الكردية الست التي حكمت الإمبراطورية، في الوقت التي كان فيها ملوك الفرس الأكمينيين يحكمون مملكة فارس، تحت إمرة ملوك ساسان. 
2- مؤسس الإمبراطورية وخلفائه أعطوا الكتاب وشريحة العلماء دورا رياديا في الطبقات الاجتماعية ومكانة مرموقة، واهتموا ببناء المدارس والمكتبات، والتي لم تصلنا إلا فتات آثارها. 
3- معظم ملوكها وفي مقدمتهم مؤسسها أردشير بابك ساساني الكردي اهتم بتبادل البعثات العلمية مع الحضارات المجاورة، وأسس بنيان حضارة على أركان إمبراطورية مترامية وبدين موحد. وفي هذا يقول: المؤرخ الدنماركي آرثر كريستنسن في كتابه (تاريخ إيران في عهد الساسانيين) الصفحة(84) “وفي اللحظة التي ألقيت مقاليد الأمور فيها بيد أردشير وبدأت الدولة الإيرانية تظهر وحدة وطنية ظهر طابعها الخاص بالتدريج في نواحي الحياة العقلية والاجتماعية” ويتمم في نفس الصفحة “والطابعان المميزان لنظام الدولة الساسانية هما: تركيز قوى السلطان والثاني اتخاذ دين رسمي للدولة”.
   سنعتمد في مقالنا هذا على (أرثر كريستنسن 1875م-1945م) لكونه أحد أفضل وأدق المؤرخين الذين كتبوا عن (تاريخ إيران في عهد الساسانيين) وحتى المراحل الأولى من الغزوات العربية الإسلامية، ولأنه أستند في بحثه على الآثار الأركيولوجية، وأرشيف الكتب القديمة من الحضارات التي لم تطالها الغزوات، كاليونانية والأرمنية والسريانية والتي حفظت في أرشيف الإمبراطورية البيزنطية. وهو من المؤرخين النادرين الذين عزلوا ما بين شعوب تلك الحضارة، محافظاً على الصفة الساسانية، والتي كان مؤسسها كما ذكرنا (كردي) وقد عرضنا سابقاً المصادر التي تؤكد هذه الحقيقة، ورغم أنه يؤكد بشكل مباشر وغير مباشر الوجود الفارسي ودورهم في بناء الإمبراطورية، لكنه بالمقابل يعتم على الأصل الكردي لملوك الساسانيين، وهنا يفرض السؤال ذاته، من هم هؤلاء الساسانيين، وهل انقرضوا بعد تدمير الإمبراطورية، أم أنهم اندمجوا مع كلية الشعب الكردي، وهل الساسانيين كانوا جزء من هذا الشعب؟ وهو السؤال الذي سنتحدث فيه بمقال خاص، ولماذا هذا التعتيم المطلق من قبل الكاتب نفسه؟ في الوقت الذي يضيع مترجم الكتاب إلى العربية الدكتور(يحيى  الخشاب) هذه المصداقية، ويجانب الحقيقة، إما لتأثره بالثقافة الفارسية، ولربما المذهبية، أو بمؤرخي التاريخ العربي الإسلامي، فيعرض العنصر الفارسي والساسانيون كاسمين لشعب واحد، وكأن ملوك ساسان هم ملوك الفرس، مثلما يقدمهم كتاب العرب والفرس، علماً أنه يدرك أن الفرس كانوا من ضمن أحد الشعوب التابعة للإمبراطورية، مع ذلك، ولربما لمعرفته وتأثره باللغة الفارسية وثقافتهم، أنزلق ومن المقدمة في (الإشكالية التاريخية) التي نبشت فيها السلطات العربية والفارسية والعثمانية على مراحل طويلة، بدءاً من التحوير إلى التزوير، إلى أن شوهوا التاريخ الماضي لشعوب المنطقة وحضاراتهم.
   وهذه الفبركة هي ذاتها التي كتبت بها الحوادث التاريخية حول مكتبتي تيسفون والإسكندرية وغيرهما التي طالتهم التدمير. علماً أن الدكتور يحيى الخشاب ساعد في ترجمة كتاب شرف نامة: في تاريخ الدول والإمارات الكردية، للأمير شرف خان البدليسي، عن الفارسة، المكتوب في عام 1597م، المترجم من قبل الباحث الكردي محمد علي عوني، فكان يجب أن يميز بين شعوب الحضارة الساسانية، وفي مقدمتهم الكرد، وأن العنصر الفارسي كانوا جزء من الإمبراطورية، وليسوا أصحابها وملوكها. هذه الإشكالية التي يوضحها معظم المؤرخون الغربيون، وبشكل خاص آرثر كريستنسن بشكل دقيق، فلم يقدم طوال أبحاثه وكتبه لم يقدم العنصر الفارسي كقادة أو ملوك للساسانيين، وظل مركزاً طوال تذكيره لتاريخ هذه الحضارة على أسم الساسانيين، وعزل وفي دراسة دقيقة وواضحة بين اللغة البهلوية والفارسية، فيقول مراراُ في كتابه أن الكتاب الفرس ترجموا عن البهلوية إلى الفارسية.
   ولتوضيح العشوائية التاريخية عند المترجم، والتي اتسمت بها مؤلفاته عن تاريخ الساسانيين والفرس، نذكر الفقرتين التاليتين من المقدمة التي كتبها المترجم يحيى الخشاب لكتاب (تاريخ إيران في عهد الساسانيين) من الصفحة(10) ” وبمناسبة البحث عن المذاهب الدينية شرح كريستنسن ما كان يجري في أعياد الساسانيين مما يفيد في توضيح ما أحتفظ به الفرس المسلمون من هذه الأعياد” وفي الصفحة(12) ” وهذه النهضة الثقافية في إيران الساسانية تبين مدى تأثير الفرس في الحضارة الإسلامية فيما بعد” والتناقض واضح بين الفقرتين، علماً أن الكاتب دقيق وحذر لهذه الإشكالية طوال أبحاثه، فعند حديثه عن ديانة شعوب الحضارة الساسانية، يقول في الصفحة(22) ” فمثلا كان هناك بعض التفاوت بين المزدية التي يدين بها الفرس الأكمينيون وبين عقيدة المجوس في ميديا، ولكن في الوقت الذي وصف فيه هيرودوت عقائد الفرس والميديين ونحلهم” علماً بأن الدكتور كان قد ذكر قبلها أثناء تصحيح لمغالطة تاريخية للكاتب نفسه، حول الفترة التي كتبت فيها كتاب (تنسر) الساساني المقدس الشهير والذي يتضمن النظم القضائية والإدارية والتشريعية، يقول على أنها كانت في عهد مؤسس الحضارة الساسانية أردشير، وليست الفارسية، وجميع المؤرخون يتفقون على أن أردشير كان (كردياً) حكم ومنذ القرن الثالث الميلادي، وأن إمارة فارس كانت المقاطعة الجنوبية الغربية للإمبراطورية الساسانية، وملوكها كانوا يسمون ملوك فارس، تابعين لملوك الساسانيين.
  وكما ذكرنا سابقا أن بروز اسم الفرس فيها (إشكالية تاريخية) ظهرت بيد الكتاب العرب والفرس، وتحت سيادة سلطاتهم، ويوضح المؤرخ آرثر كريستنسن في خاتمة كتابه الصفحة (494) بشكل أدق هذه الإشكالية، عندما يقول ” وكانت سيادة إيران على آسيا الغربية تستند على التقاليد السياسية التي سار عليها الأشراف ورجال الدين جيلا بعد جيل. وهذه التقاليد السياسية وروح الفروسية التي كانت لقدماء إيران قد أمدت الخلافة العباسية بأساسها المتين. ويتمثل طابعهم النبيل في أسرة البرامكة. والدول الجديدة الأولى التي قامت في الأراضي الإيرانية، أيام اضمحلال الخلافة، أسست على بقايا التقاليد القديمة، وكان العصر الزاهي، أيام السامانيين وهم أول من أحيا الروح الفارسي، صورة من عظمة الساسانيين” ومن المعروف أن البرامكة كانوا كردا، مثلما كان أردشير بابكك ساسان. وكذلك الملك بهرم جوبين القائد المشهور في التاريخ الساساني، الذي هزمه كسرى بمساعدة البيزنطيين، وقد كان من أحد العائلات الست الكردية الحاكمة في الإمبراطورية، وتتبين هذه الحقيقة من خلال المخلفات التاريخية التي ينقلها آرثر كرنستنسن في كتابه المذكور، الصفحة(408) ” وتقول قصة بهرام جوبين إن كسرى قد تزوج من أخت بهرام، كردية، المسترجلة، بعد أن قتلت بسطام. وإذا كانت تفاصيل هذه القصة خرافية فإن زواج كسرى بكردية قد يكون من حوادث التاريخ، وقد حذرت شيرين الملك من كيد هذه(الشيطانة)”.
” كما أن الثقافة الأدبية والفلسفية جعلت لعهده جمالاً خاصاً” هكذا وصف أرثر كرنستنسن في الصفحة(436) عن عهد كسرى الأول الذي قضى على حكم بهرم جوبين، بمساعدة البيزنطيين، وقاد الإمبراطورية بدكتاتورية قاسية، غرقت بعد حكمه في فوضى عارمة، فاقمت فيها ثورة المزدكيين والصراع على السلطة، أدت إلى ضعفها ومن ثم انهيارها، كإمبراطورية وحضارة، على يد القبائل العربية الإسلامية في عهد أخر ملوكها (يزدكرد) الثالث…
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
9/12/2016م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…