بشار الأسد ينقلب على نفسه!

إبراهيم اليوسف
لا أجد داعيًا، البتة، للتحدث عن الأسباب التي أدت بالسوريين إلى إعلان ثورتهم، فهي أكثر من أن تحصى. بل إنه لم يبق أحد، حتى هؤلاء الموالون للنظام، إلا ويعرف كل شيء عن أوجه الظلم الذي لحق بالسوريين، ويكاد ألا ينجو منه أحد. إذ إنه حتى المقربون من النظام؛ حتى بطانته، ما كان لأحد منهم أن يحظى بما يمنح له، إلا من خلال قبوله أن يكون بيدقًا فحسب، لعبة فحسب، أداة فحسب، بوقًا فحسب، عبدًا مأمورًا فحسب، مهما علت مرتبته المصطنعة، أي: إنه يوافق سلفًا على إعدام شخصيته وتسليم زمامها لأجهزة أمن النظام التي لا أحد فوق دائرة مراقبتها، ولا رسالة لها إلا ديمومة حكم الأسد، واستمرارية كرسي الأسد.
بهذا المعنى، فمن يسمى رئيس حكومة، أو من يسمى نائب رئيس، أو مستشارًا، أو رئيس” مجلس شعب”، أو وزيرًا، أو محافظًا، أو حتى مدير دائرة، أو رئيس مخفر، أو شرطيًا، حظوات هؤلاء مرهونة بدرجة تفانيهم، في خدمة هذه الرسالة.
 
لقد تقزم لقاء هذه القاعدة كل هدف كان يُزعم من إعلام النظام ومنظريه، بأنه من أولويات هذا الحزب. وما كل ذلك- في حقيقته- سوى وسائل من أجل الهدف نفسه. هدف الاحتفاظ بكرسي الرئاسة للأسد، وإن دوّت الشعارات في اتجاهات البلاد الأربعة. منذ افتتاحيات الإذاعة والتلفزيون والاجتماع الصباحي في المدارس، وليس انتهاء بساعات العمل في المؤسسات الرسمية. فضلًا عن الحياة العادية للمواطن؛ في الشارع. أو المقهى، بل حتى في بيته وغرفة نومه؛ إذ كان مطلوبًا منه الكذب على زوجته، وأطفاله، يحدثهم عن عظمة إنجازات الأسد، والولاء له.
 
وإذا كان هناك من استطاع أن يفلح في ما يسمى “غسيل دماغ”؛ كي يعيش حال إعلان الولاء للرئيس، “المفدى”، و”الأب القائد”، فإن هناك من لم يتمكن من ذلك، وبات يعيش صراعًا داخليًا. يعيش حالة فصام بين ما هو مبطن لديه مؤسس على خلاصة قناعاته، وتجربته، وما هو ظاهر، لابد من المجاهرة به، زورًا، وزيفًا، من أشكال الطاعة الببغاوية التي كرستها ثقافة أشد المراحل قهرًا بالنسبة إلى المواطن.
 
إن حالة الفصام النفسي التي عاشها سواد السوريين، كانت تُحوّل ذواتهم إلى ثنائية من التناقض؛ نتيجة عدم عيشهم حياتهم الطبيعية، إذ إن التلفظ بعبارة ما سهوًا، قد تعرض أحدهم للتغييب النهائي، من دون أن يتمكن أحد ما ذكر اسمه، أو السؤال عن مصيره. كل هذا حول المواطن العادي، غير المنتفع بأعطيات وهبات النظام. وغير الوالغ في مستنقع الفساد إلا أن يعيش حالتين، متناقضتين، متصارعتين، تحيلانه في أعماقه إلى: كبسة زر وديناميت، متعايشين في نفسه، ما يجعله أشبه بالروبوت الذي ينتظر لحظة الانفجار الداخلي.
 
لقد كان المواطن السوري مهيأ كي ينخرط في الثورة. الثورة التي أرى أن القاتل والضحية كانا ينتظرانها. الثورة التي لا تدل خريطة تموقع الموالاة والمعارضة على نهائيتها. لأنها في الحقيقة مجرد خريطة واحدة. وثمة من يقف مع النظام حتى اللحظة، وهو غير مؤمن به. إلا أن سبب عدم انخراطه ضمن الثورة يعود إلى ديمومة المهادنة بين نقيضي ذاته: الديناميت وكبسة الزر. نتيجة معادلاته الشخصية، على ضوء واقعه، ومنافعه، وعدم التخلص من سطوة شبح-الكابوس- الذي يعيش في داخله.
 
على هذا النحو، فإن نظام الأسد الذي تأسس مجسدًا أعلى أشكال الدولة الأمنية، وأشدها إرهابًا، وسوءًا، وقذارة. لم يتأسس إلا ضمن مناخ آزره على ذلك، وهو: مبادئ حزب البعث. التي سنشير إلى علاقتها بوصفها فضاء-لظهور الطفرة الأسدية لطخة عار على الجبين السوري- هذا النظام ولد، ومعه نواسف وجوده التي لم تكن تؤجل إلا عبر مزيد من ممارسة الاستبداد، والجور، كي يكون ثمن ذلك تلك القرابين السورية التي تقدم على النطع. وفق سلم بياني مرتبط بهذا الظهور الممسوخ في سورية لتوأمي: البعث/ الأسد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…

عصمت شاهين الدوسكي عندما تكون الجبهة الداخلية قوية تكون الجبهة الحدودية اقوى. النفوس الضعيفة تستغل الشائعات لاشعال الفتن بين الناس. كثرت في الاونة الاخيرة افة الشائعات خاصة بعد بداية حرب امريكا وايران وفي كل الحروب تبدأ الشائعات بالظهور بشكل واخر. ولكي نكون على دراية بفكرة الشائعات يمكن تعريفها بشكل بسيط: الشائعات هي وسيلة من وسائل الحرب تستخدم فيها الاوهام والاكاذيب…

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…