صلاح بدرالدين بالعودة أكثر الى الوراء يمكن القول أن التحولات الجذرية التي أصابت عمق مجتمعات بلدان أوروبا الشرقية وانهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي وسقوط أحزابه الحاكمة التي كانت مثالا يحتذى بها لدى أحزاب منطقتنا الوطنية وخصوصا اليسارية على الصعيدين الفكري والتنظيمي كانت الاشارة الأولى لأفول نجم تلك الأحزاب وحصول تحول ما باتجاه فرز جديد لقوى المجتمع المستقبلية الفاعلة وانكشاف أزمة القيادة فكرا وممارسة حول مفهوم العمل الحزبي السائد (الطليعي – قائد الدولة والمجتمع – قائد الجماهير – أداة الثورة والتقدم – معبر عن ارادة الشعب) وتنبيها لمن كان على استعداد أن يعتبر بأن عصر الأحزاب بأشكالها القائمة القديمة قد ولى ولابد من البحث عن وسيلة أخرى تناسب مستوى التطور في الوعي البشري والتقدم التكنولوجي وتتصالح مع تقديمات العولمة ومع جديد مرحلة مابعد الحرب الباردة وتتناغم مع خصوصيات الشعوب والبلدان ولم يقتصر الزلزال البنيوي هذا على الأحزاب الشيوعية الحاكمة بل شمل مختلف تنظيمات وجماعات حركات التحرر الوطني في العالم التي لم تنأى عن التحولات العميقة في الفكر القومي ومفهوم الدولة الوطنية والتنمية وتبدلات الطبقات الاجتماعية وأساليب الكفاح وتعريف العدو والصديق .
الآن وفي المرحلة الراهنة ومنذ بزوغ فجر ما أطلق عليه بالربيع العربي منذ الشهر الأخير من العقد الأول للقرن الواحد والعشرين الذي فجر الثورات والانتفاضات في أكثر من بلد بمافيه الانتفاضة الثورية السورية منذ أقل بقليل من ستة أشهر بدأت قضية الأحزاب والحركات التقليدية الحاكمة منها والمعارضة تتصدر مشهد السجالات بين النخب السياسية والثقافية كما أفرزت التجربتان التونسية والمصرية دروسا مفيدة وحقائق جديدة في مقدمتها تخلف الأحزاب التقليدية فيما تعرف بالحركة الوطنية باسلامييها ويمينييها ووسطييها وشيوعييها من الامساك بزمام مبادرة الدعوة للثورة واشعالها وقيادتها في اسقاط الاستبداد بل تصدر الحراك الشبابي صفوف الانتفاضة الثورية تخطيطا وتنظيما وادارة وشعارات وتضحيات عبر التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات ومواجهة أجهزة القمع بكل شجاعة وتصميم والأمر نفسه تكرر في سوريا حيث تنسيقيات الانتفاضة الثورية من درعا الى القامشلي هي التي تدير الصراع مع نظام الاستبداد وتقدم الشهداء من أجل الحرية والكرامة وهي التي بادرت مبكرا الى رفع وتبني شعار اسقاط النظام في حين ظلت الأحزاب التقليدية بمختلف أطيافها وتياراتها مشدوهة مرتبكة مصدومة وبقي الجزء الأكبر منها في موقعه المستجدي السابق المراهن على اصلاحات رأس النظام وبذلك تكون الانتفاضة السورية وفي ستة أشهر من عمرها قد غيرت وجه الحركة الوطنية السورية ومهدت السبيل أمام المحللين والمؤرخين لاعادة قراءتها من جديد.






