الخليفة العثماني … البيانوني

توفيق عبد المجيد
 

تعودنا أن نسمع بين لحظة وأخرى تصاريح وبيانات يدلي بها من ينصّبون أنفسهم بغير حق أوصياء على شعوب المنطقة متجاهلين ما فعله المستعمرون انسجاماً مع مطامعهم وتثبيتاً وترسيخاً لإراداتهم ، ليقسموا مناطق النفوذ حسب أهوائهم ، ولا نستثني من أولئك الاستعمار العثماني المتخلف البغيض الذي كان دافعه فرض الخلافة العثمانية على المنطقة ككل غير آبه لتطلعات شعوب المنطقة نحو التحرر والانعتاق من هذا الاستعمار الذي لبس عباءة الدين الحنيف ، ومازال البيانوني وأمثاله يحلمون في اليقظة باسترجاعها من مقابر التاريخ ، وبعث الروح في ما تبقى من رفاتها من جديد ، ويتغنون بالمجد الضائع والإمبراطورية التي غربت شمسها .
هؤلاء الذين هم امتداد للاستعمار العثماني ويحاولون تجاهل الكرد وتغييبهم بل استغباءهم للحيلولة بينهم وبين استرجاع الحق المصادر عقوداً من السنين بتشويه الحقائق وصنعها وفبركتها وترسيمها على مخططات خدمت المصالح التي استعمرت المنطقة بموجبها فكانت الحدود (المصطنعة) التي قسمت المنطقة تقسيمات استعمارية لا يعترف بها بل يرفضها الكثيرون لأنها صناعة استعمارية ، قسمت الوطن العربي ، لكنهم يتجاهلون التسمية إذا مست الوطن الكردي والأمة الكردية ، فهي حدود غير معترف بها عربياً ، ومعترف بها عربياً وإسلامياً طالما قسمت وبعثرت وألحقت كردستان بأربعة دول إسلامية بغض النظر عن هويتها القومية .
لقد رحل الاستعمار أيها الخليفة العثماني ، لكن للأسف مازلتم متمسكين بوصاياه ومخططاته ترفضون إعادة الحق السليب إلى أصحابه الحقيقيين ، وتأبون إلا السير بعكس التيار وعودة العجلة للخلف ، وتحاربون بكل ما أوتيتم من قوة تصحيح مسار التاريخ لينطلق في الاتجاه الصحيح ، وثق تماماً يا سيد بيانوني أننا لا نعول عليك وعلى أمثالك بل نعول على الشباب في هذا الوطن الذي يسع الجميع ، أولئك الذين اختلطت دماؤهم بدماء الشباب الكرد ليصنعوا سوريا جديدة لا مكان فيها لظلم أو اضطهاد أو إقصاء أو إلغاء للآخر وهم يرددون بلسان واحد (حرية وآزادي) سوريا ديمقراطية تعددية برلمانية علمانية تفتح صدرها لجميع أبنائها لتحضنهم عرباً وكرداً ، إسلاميين ومسيحيين ومن كافة الطوائف والمذاهب غير آبهين بتصريحك وتصنيفك أن 90% من سكان سوريا عرب ومسلمون .
هنا سيدي اسمح لي أن أسألك من أين لك هذه الإحصائية حتى تجعل غير العرب والمسلمين 10% من سكان سوريا المستقبل من منظارك أنت ، فالكرد يتجاوزون الخمسة ملايين إذا أجري إحصاء دقيق ومحايد دون أن نحسب أكراد درعا وحماه وإدلب وريف الساحل السوري وأحب أن اذكرك أن السيد العرعور قال بعظمة بلسانه خلال الأحداث أن نصف سكان حماه هم من الأكراد ، وهي حماة أبي الفداء الذي لا تجهله ، وجسر الشغور المنسوب إلى الشاغوري من أحفاد صلاح الدين ، فقط أريد أن أضع بين يديك هذه الإحصائية الموثقة (عدد الكرد يبلغ ما بين 3.5 – 4 مليون كردي ،وفي عام 1924 قدر وزير خارجية هلسنكي الموفد من قبل عصبة الأمم عدد الأكراد في سوريا بـ (300 ) ألف وحينها كان تعداد سوريا ما بين 1.8إلى 2 مليون أي أن الأكراد يشكلون بين 15-20% من السكان) فاحسب حضرتك بطريقتك الخاصة كم يبلغ عدد الأكراد الآن .
لا أريد أن أدخل معك في لعبة الأرقام والإحصائيات ، فقط أريد أن أذكرك أن حكومة سورية واحدة في عهد الانقلابات ترأسها محسن البرازي وحسني الزعيم الكرديين والمعروفين – من المفروض – من قبلكم .
فمن فوضك ناطقاً باسم سوريا المستقبل لترفض أو تقبل هذا وذاك ، لتستجدي علينا ببعض ما ستجود به يمناك فـلن تقبل (بحق تقرير المصير للشعب الكردي في سوريا) و لن تقبل أيضاً   (بأي مشروع يتبنى لا مركزية نظام الحكم (الفيدرالية) في سوريا الجديدة .
واعلم جيداً أننا أيضاً لن نقبل بأقل مما رفضته وما أقره المؤتمر الوطني الكردي ، ولا نستغرب هذا التصريح من أمثالك الذين هم امتداد للبعث الشمولي وأفكاره التي ستباد وتتلاشى وتدخل في ذمة التاريخ ، ولن نكون مطية لك ولغيرك ، وسنتجنب قدر الإمكان الوقوع في تلك المطبات التاريخية العميقة التي كنا ضحاياها ومازلنا ، ونحن لا نعوّل عليك ولا على أمثالك ، بل نعول على شباب المستقبل المتنور والمتفهم للحق الكردي من أولئك الذين يهتفون (قامشلو قامشلو) وينادون (آزادي آزادي) ويرفعون العلم الكردي إلى جانب علم الاستقلال ، وربما ستكون مشاركاً في حكومات المستقبل بنسبة تناسب حجمك كحزب ، ونحن سنشارك كقومية رئيسية ثانية في البلاد بكل استحقاقاتها ، وشتان ما بيننا وبينك .
ومن هنا أوجه دعوة للكتاب الكرد لكي يضعوا الخلافات جانباً ويجندوا أقلامهم لخدمة الحق الكردي والمطالب الكردية العادلة ، ويتصدوا مع أخوتهم السوريين للبيانوني وأمثاله من الماورائيين الماضوييين الذين تخلفوا عن اللحاق بعجلة الزمن ، ويكفوا عن المهاترات وكيل التهم والتشكيك بالمؤتمر الوطني الكردي الذي جمع الكرد – ولا أقول كلهم – ولأول مرة في التاريخ تحت خيمته .

26/11/2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عنايت ديكو المثقف لا تصنعه الاجتماعات والمؤتمرات والمظاهر البرّاقة، بل تصنعه المواقف، وتُنجبه المبادئ. المثقف هو ذاك العنقاء الذي يخرج من بين الزحام والآلام، حاملاً مشروعه الوجودي بين يديه. نعم … قد يخطئ المثقف، لأنه بشر، يأكل ويشرب، لكنه لا يخون عمداً، ولا يؤجر مساحات الوعي، ولا يبيع أركان ضميره، ولا ينكر معروفاً. فيبقى وفياً لقضية الانسان، صادقاً في مشاعره،…

شادي حاجي ورقة رؤية استراتيجية لبناء النفوذ الكردي داخل الديمقراطيات الغربية بعد عقود من الهجرة والاستقرار في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لم يعد السؤال: كم يبلغ عدد الكرد في المهجر؟ بل: لماذا ما يزال تأثيرهم السياسي والفكري أقل بكثير من حجمهم الحقيقي؟ لا تهدف هذه الورقة إلى نقد واقع الجاليات الكردية فحسب، بل إلى طرح رؤية عملية لكيفية تحويل…

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…