دهام حسنـ 1 ـ
شهد المجتمع البشري خلال مسيرته التاريخية الطويلة عـدة تشكيلات اجتماعية، اقتصادية ، متعاقبة ، كانت آخرها الرأسمالية ..
فالرأسمالية وفق منطق التطور التاريخي ، وتطور البرجوازية ، مرحلة ضرورية لا بد منها، في الصيرورة الاجتماعية الاقتصادية ، خلال المسيرة التصاعدية من تطور المجتمع البشري – في النهاية- رغم المراوحة والتعرجات ؛ حيث لابد أن تؤول الهيمنة فيها إلى البرجوازية الرأسمالية ، في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية ، السياسية ، الاجتماعية ، التصنيع ، التجارة…
ما نبغي قوله في هذا الاستهلال، أن وصول البرجوازية الرأسمالية إلى السيطرة الطبقية ، فعل يفرضه منطق التطور التاريخي، والتطور البرجوازي نفسه ؛ لتعبر الرأسمالية بالتالي عن نفسها في نظام إنتاجي معين هو نظام الإنتاج الرأسمالي، حتى أن نظرة سائر الطبقات الأخرى إلى البرجوازية الرأسمالية نظرة تفهم واعتراف، بواقعية هذه الهيمنة …
– 2-
كثيرا ما ينحرف التاريخ عن مساره الصحيح ، فتعجز الطبقة المؤهلة للقيادة حسب منطق التطور التاريخي في تشكيلة ما ، تعجز هذه الطبقة عن السيطرة الطبقية، حيث تبرز قوى أخرى على حلبة الصراع تحتال على حركة التاريخ ، تحرفها عن مسارها، وتستولي على السلطة لتفرض بالتالي سيطرتها.
.
هـذا ما حصل لبعض النظم الرأسمالية في الغرب، لاسيما تلك التي خسرت الحرب العالمية الأولى ، إذا ما انطلقنا من تلك الفترة واتخذناها كشاهد ومثال..
ما عمق من أزمة الرأسمالية، هو انسلاخ ما عرف فيما بعد بالاتحاد السوفييتي، عـن جســم الرأسمالية ،حيث قام على سدس اليابسة من الكرة الأرضية، كدولة تنحو منحى اشتراكيا مغايرا للمسـلك الرأسمالي في التطور، نابذا للعلاقات الرأسمالية …وقد أعقب بعد ذلك في سنوات 1929 – 1932 أن عصفت بالبلدان الرأسمالية أعمق أزمة اقتصادية عرفت بـ ” الركود الكبير ” ، وفي أوج احتدام تناقضات الرأسمالية ، تمكنت البرجوازية الصغيرة من الوصول إلى السلطة مستغلة عيوب الرأسمالية ، وتذمر الجماهير العريضة، وضعف الطبقتين الأساسيتين ، البرجوازية الرأسمالية والبروليتاريا ، وقـد تمخض عن وصول البرجوازية الصغيرة إلى السلطة ، ظهور نظم فاشية كما حصل في كل من ألمانيا، وإيطاليا، واليابان ..
– 3 –
إن وصول البرجوازية الصغيرة إلى السلطة، إلى السيطرة الطبقية، أمر ممكن في ظروف تاريخية محددة لكن هذه السيطرة الطبقية، تعد حالة عارضة، حالة استثنائية، حالة “مغايرة لمنطق التاريخ” كما يقول مهدي عامل ؛ لأنها لا تحمل لا مشروعا تطويريا، ولا تمثل نظاما إنتاجيا معينا ..
فوصولها إلى السلطة لا يتم عبر ثورة سياسية تهدف إلى تغيير في علاقات الإنتاج ، ولا يتم أيضا بسبل ديمقراطية ، لعدم هيمنتها في القطاعات الإنتاجية المحركة لعجلة الاقتصاد والتنمية … فالبرجوازية الصغيرة حتى في ممارساتها للصراع وتغلفها بشعارات ثوروية يسارية، لا تهدف القضاء على السيطرة الطبقية ، فهي بسبب ازدواجية حالتها الاقتصادية تعيش انفصاما يتجلى في مواقف متناقضة، وأيديولوجيا متذبذبة ، ففي موقف يظهر البرجوازي الصغير بثوب عامل متحمس للتحولات الاجتماعية، وفي آخر يجسد سلوك مالك يرى صورته في مـرآة الطبقة المسيطرة ..
نسيج غير متجانس لا في الفكر، ولا في العقيدة ، ولا في الموقف ..يفتقد لنهج واضــح أو عقيدة متماسكة ؛ فمرة تراها تتماهى في الشعائر والطقوس الدينية، وأخرى في الشعارات القومية، كما تجـدها تقتبس مقولات أو فقرات من الماركسية … خليط من العقائد والمصالح والرؤى تتشابك في نسيج غير متجانس، كما أسلفنا قبل قليل ….
– 4 –
إن وصول البرجوازية الصغيرة إلى السيطرة الطبقية ، لا يتم إلا عبر انقلابات عسكرية يتم على أثرها انتقال جهاز الدولة القمعي إلى البرجوازية الصغيرة دون مس أو تغيير يذكر في بنية الدولة فيما عدا بعض المعالجات الطفيفة ، التي ترمي من ورائها بالأساس، إلى تمتين سيطرتها ، وإحكام قبضتها حتى لا يفلت من يديها زمام الأمور، فاستمراريتها معتمدة بالأساس على جهاز الدولة القمعي، الجيش ..جهاز الأمن ..كما تعمد إلى سـن بعض التشريعات كدعائم لإدامة سيطرتها ، كما تنفرد باستخدام وسائل الإعلام المختلفة من إذاعة، وتلفزيون، وصحافة ، وكتب تعليمية للغاية نفسها، وفيها الكثير من التضليل …
– 5 –
إن البرجوازية الصغيرة لا تعدم أية وسيلة في التعامل مع مختلف القوى والتنظيمات على مختلف مواقعهم وعقائدهم على الساحة الوطنية لجذبها بالإغراءات والمشاركة الشكلية في السلطة ، بغية احتوائها في المحصلة وهي تريهم دائما فزاعتها – جهازها التأديبي – لهذا فهي تركزعلى قيادات هذه التنظيمات كأفراد ، فاحتواء أي تنظيم يكون باحتواء رموزه ، وهـذا ما تفلح فيه البرجوازية الصغيرة أحيانا كثيرة للأسف ..
حيث تتماهى إيديولوجية تلك التنظيمات مع إيديولوجية البرجوازية الصغيرة في علاقات تشابه وتشابك وتشارك ، وذلك في كثير من القضايا والمواقف ، تنعكس سلبا على الجماهير وحركة التنظيمات السياسية…
البرجوازية الصغيرة ، تعمد دوما إلى تنميط الحياة السياسية، وإلى شـل الأفكار، فإذا سمحت لحـزب مـا بممارسة سياسية ، فهي ترفض أن يخلع أي حزب أو تنظيم على نشاطه طابع الصراع الطبقي ، لأن الهدف النهائي لأي صراع طبقي، هو بالنتيجة السيطرة على جهاز الدولة، وهـذا ما لا تقبل به البرجوازية الصغيرة ، لأن جهاز الدولة ، هو حكر عليها، هو مملكة البرجوازية الصغيرة المحرمة ..
فهي تحظر على التنظيمات السياسية إثارة مسألة الديمقراطية، لأن الديمقراطية تعني في النتيجة حراك الشعب ؛ والبرجوازية الصغيرة تعول علاوة على ما لديها من وسائل إغراء وإخافة ، تعول على همـود الشعب، وسباته وخموله ؛ فرغم أهمية النضال، وضرور يته، في سبيل إشاعة الديمقراطية في الحياة السياسية والاجتماعية … واهم من يعتقد أن البرجوازية الصغيرة قد تؤسس لمبادئ الديمقراطية، لأن الديمقراطية نفي لتفردها بالسلطة ، نفي لتعدياتها، وتجاوزتها، نفي لممارساتها في نهب الوطن ، وإفقار المواطن….






