
صلاح بدرالدين
خصوصية يسارنا
الخطوط الحمر
أربعة مسائل اعتبرتها السلطة تجاوزا للخطوط الحمر وتهديدا لأمنها القومي : تمسك اليسار بالحقوق القومية لشعب غرب كردستان الذي يعيش على أرضه التاريخية في اطار مبدأ حق تقرير المصير والارتهان للحل الوطني الديموقراطي عبر التلاحم مع المعارضة العربية السورية والتوازن بين الجانبين الوطني والقومي وما استدعى ذلك من انفتاح وتفاعل مع الحركة القومية الكردستانية وتحديدا مع ثورة ايلول وقائدها البارزاني وماتطلب ذلك من جرأة وتضحية في ذلك الزمان ومد جسور علاقات التعاون مع قوى حركة التحرر العربية خارج سورية والفلسطينية واللبنانية على وجه الخصوص وكان ذلك الاختراق الأول لتدشين وتعميق البعد الخارجي والدعم العربي للحركة الكردية في سورية وهذا ما أدى الى اقتصار الصراع السياسي على الساحة الكردية لعدة عقود على المواجهة الفكرية والثقافية والميدانية بين مشروعي كل من اليسار من جهة والسلطة من الجهة الأخرى مع دور هامشي تابع ومعرقل أحيانا لنهج اليمين الكردي خاصة في مجال تزويد السلطة بالمعلومات منذ أواسط سبعينات القرن الماضي حول مشاريع اليسار في مواجهة المخططات العنصرية مثل – الحزام العربي – وبث الاشاعات وهذا ما دفعت الأوساط الشوفينية الحاكمة وحسب الوثائق المتوفرة وشهادات ناشطين من المعارضة السورية الراهنة الذين تبوأ بعضهم مواقع أمنية في دمشق والمناطق الكردية سابقا والممارسات على أرض الواقع باعتبار محاربة اليسار تنظيما وقيادة شغلها الشاغل وقد لاحظ ذلك كل الفئات الوطنية الكردية والقوى السياسية السورية خاصة بعد تشديد الحصار والملاحقة والطرد من الوظائف والحرمان من الجنسية والحقوق المدنية على كل من له صلة قربى ببعض قادة اليسار الى درجة اقدام أوساط مصدر القرار في القصر الجمهوري ومنذ ذلك الوقت با البدء في وضع أسس مكتب خاص للملف الكردي بعهدة الملازم الأول – اللواء محمد منصورة ومنحه الصلاحيات الادارية والمالية المطلقة خاصة بعد توسع واشراف ذلك المكتب على كل مايتعلق بالقضية الكردية في سوريا والجوار .
نقد ذاتي
علينا وفي خضم سرد الحقائق وتسجيل انجازات حزب آب أن لانخفي حقيقة أخرى وهي الاعتراف بعجز الحزب عن تحقيق الكثير من أهدافه واخفاق قيادته في تنفيذ التزاماتها القومية والوطنية في كثير من المراحل والمناسبات لأسباب ذاتية بالدرجة الأولى وصعوبة الظروف المحيطة بدرجات تالية والأمنية منا خاصة وقصور في الادارة السياسية بشكل عام كما فشلت القيادة وأنا من ضمنها في صيانة وحدة الحزب الذي توسع وتمدد وأصبح مقبولا من الجماهير الكردية ويحظى باحترامها بسبب نهجه السليم وتفانيه وتمسكه الثابت بالحقوق القومية وكذلك الفشل في قطع الطريق على الانشقاقات والحفاظ على الكادر المتقدم الذي بذلنا الجهود في اعداده وتوعيته مع التردد في التصدي الناجز لمخططات السلطة في تفتيت الحركة السياسية الكردية حيث ما زالت آثارها ونتائجها تتفاقم يوما بعد يوم , كما علينا الاعتراف بالتقصير في تعزيز وتطوير وحماية – التحالف الديموقراطي الكردي – الذي تحقق بناء على برنامجنا واقتراحنا وأعلن في بيروت بعد محادثات بين سكرتير – البارتي الديموقراطي الكردي – الراحل – كمال أحمد – وأمين عام – الاتحاد الشعبي الكردي – كاتب هذه السطور ذلك المكسب الهام والانجاز الرائع الذي تلاشى بعد أن تسلل اليمين الى صفوفه.
اعادة تعريف اليسار القومي
حصلت تبدلات جوهرية في الاصطفاف اليساري التقليدي بحكم تواصل الأجيال وعمق التحولات الاجتماعية وتغير ملامحها والتبدل الجوهري في طبيعة وشكل وأجندة حركات التحرر وتطورات الأحداث وبخاصة حدث هبة آذار المجيدة لعام 2004 وتجديد المفاهيم وتغير الظروف السياسية وازدياد القناعة بضرورة حل قضايا الشعوب والقوميات كاستحقاق سياسي ومبدئي وانساني في خدمة السلم الأهلي وكجزء من عملية ردم بؤر التوتر وقطع الطريق على قوى الارهاب أما بخصوص أوجه التباين في تعريف اليسار القومي الديموقراطي ماضيا وحاضرا : حتى قبيل هبة آذار كان الفرز التقليدي لليسار القومي يكاد ينحصر في بقايا نهج كونفرانس آب من تنظيمات وجماعات وفئات وأفراد الا أن الهبة والأسباب السالفة ذكرها أعلاه وضعت حدا لتلك الرؤية بعد أن أثبتت الوقائع والأحداث خروج البعض من وعلى مبادىء آب بعد أن ركبوا موجتها واستظلوا بدفئها ثم باعوها بأبخس الأثمان ووجهوا السهام نحو سدنة – القلعة – من الخلف والارتماء في أحضان مكتب الملف الكردي وانزواء البعض الآخر وضياع البقية الباقية في جدل عقيم حول – جنس الملائكة – حيث بدأت الساحة ومنذ حين – وهذا مبعث للتفاؤل – تستقبل جيلا جديدا من حملة أفكار مطابقة أو مشابهة لنهج آب من مثقفين من الرجال والنساء ومناضلين أشاوس من أصحاب المبادىء والفكر النير وعلى الصعيد الفكري ومن حيث الجوهر فان الجزء الأكبر والأهم من أهداف نهج آب قد تحقق سياسيا وثقافيا في أذهان ووجدان الجيل الكردي الناشىء ومازال قسم من طروحات وشعارات كونفرانس آب قيد البحث والأخذ والرد لم تكتمل أسسها وجوانبها بعد والصراع مستمر بشأنها وقد يطول أو يقصر وهناك قضايا مازالت عالقة دون حل وبعضها تجاوزه الزمن والساحة بحاجة ماسة الى بديل تنظيمي متجدد ومتغير في ظل برنامج الانقاذ القومي والوطني وفي بيئة االمصالحة والاتحاد كرديا وسوريا يتناسب مع مستوى مابلغته الوقائع والمفاهيم يلعب فيه اليسار القومي الديموقراطي كنهج وخط سياسي الدور الغالب والمؤثر بحكم موقعه التاريخي الى جانب التيارات الأخرى في اطر تتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة كرديا وسوريا والموضوع ذاته يحتاج الى متابعة وبحث في مجالات أخرى وكنت قد طرحت قبل أعوام مشروعا للمناقشة بعنوان “الحركة الوطنية الكردية في سورية” التزمت به من جهة التنحي الطوعي عن رئاسة حزبي وافساح المجال للجيل الناشىء للقيام بدوره القيادي الجماعي المنتظر بمعزل عن كل من ورد اسمه في ملفات علاقات التواطؤ مع أجهزة السلطة وفي الصراعات والمناكفات والعداوات الشخصية ممن كانوا – ومازالوا – يتزعمون التنظيمات والمجموعات (رؤساء وسكرتيرون واعضاء مكاتب سياسية حيث يقترب العدد الى 120 ويقال بأن هذا الرقم المشؤوم يشكل ثلث جميع أعضاء الأحزاب الكردية داخل البلاد) في حركة قومية ديموقراطية موحدة متجددة وكما هو معلوم لم يتم التجاوب حتى اللحظة مع هذا المشروع سوى الأخذ ببعض بنوده في مسألة ما يسمى – مجالس التحالف – بصورة انتقائية مشوهة بعد افراغه من محتواه.
وفاء لمناضلينا
لابد في هذه المناسبة ومن باب الوفاء استذكار دور وتضحيات جميع من ساهموا في التحضير لعقد الكونفرانس الذي باشر أعماله في قريتي الحبيبة – جمعاية – بمنزل المرحوم – حاجي بوطي – حيث الاستعدادات والمشاورات والحوارات بين الكوادر المتقدمة وممثلي القواعد الحزبية من معظم المناطق وحتى مع آبو أوصمان ورفاقه عندما كانوا نزلاء سجن القلعة بحلب صيف العام 1964 كانت جارية وسبقت الخامس من آب لأكثر من عام (وكان الحضور اكثر من ثلاثين بقليل وأخص بالذكر ودون نسيان الآخرين : الراحلان – محمد نيو – وشمو – وهلال خلف – ونوري حاجي – ومحمد بوطي) وانهمكوا أياما وشهورا في صياغة البرنامج وأعواما في مواجهة التحديات الأمنية والمعيشية والصراع الميداني الفكري والثقافي والسياسي مع النهج اليميني المعروف عنه بمحدودية ثقافته وتخلفه وافتقاره الى الحدود الدنيا من أخلاقيات الحوار الديموقراطي وهذا ما أثقل كاهلنا أكثر بمزيد من الصبر والتحمل انسجاما مع مسؤولياتنا الوطنية وسأستذكر بالتقدير البالغ تفاني وشجاعة عدد كبير من الرفاق الوطنيين المخلصين ومنهم (الراحل أحمد سعيد العربو وأوسكي ونعمتو وسعيد بارودو) كما لابد من تقدير عدد من الرواد الذين تجاوبوا مع نداءات بناة حزب آب (البارتي الديموقراطي الكردي اليساري) وانضموا الى صفوفه بعد حين وخاصة الراحل آبو اوصمان صبري الذي سلمناه أمانة القيادة المرحلية كسكرتير للحزب والأستاذ محمد ملا أحمد والشاعر الراحل جكرخوين الذين غادروا مواقعهم التنظيمية بأوقات متفاوتة وأسباب مختلفة وبخصوص طيب الذكر– آبو أوصمان – فقد غادر من تلقاء نفسه – رغم تشبثنا به – حسب الأصول التنظيمية وفي كونفرانس حضره أكثر من أربعين شخصا ولأسبابه الخاصة تاركا الأثر الايجابي والاحترام الكامل لدى رفاق دربه دون أن يتسنى لنا تحقيق أمنيتنا في التفاعل التاريخي ومن خلال اطار تنظيمي واحد ومؤسسة قيادية موحدة بين مفاهيم وخبرات جيلين : الرواد والشباب وظل الحزب المتسلح بالفكر والثقافة والموقف السياسي والبرنامج وحماية الجماهير سائرا في طريق النضال رغم تبدل الأجيال والأفراد ومن الجائز والممكن – كما يعلمنا التاريخ – لأي نهج سياسي جاد أن يتجاوز كبواته ويعيد بناءه ويستعيد وحدته من جديد اذا ما توفرت الشروط المطلوبة من موضوعية وذاتية وهذا ما ينتظره الوطنييون الكرد بفارغ الصبر.






