الخيار الغائب في حل الأزمة السياسية الكردية في سوريا

زيور العمر

نظراً لأنني أنشد التغيير الجذري في الحالة السياسية الكردية في سوريا , و أجد فيه السبيل الوحيد للخروج من الأزمة السياسية التي نرزح تحت وطأتها, فإني مهتم , بسبل و آفاق و مسار التغيير , و لا أعير أي إهتمام , للخطوات التجميلية و الترقيعية التي تروج لها  أوساط الأحزاب الكردية , بعد أن أدركت قيادات هذه الأخيرة , مستوى و درجة السخط و الإستهجان في صفوف الجمهور الكردي .

فعدد اللقاءات و الندوات و المحاضرات التي نظمها الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي , على سبيل المثال لا الحصر ,  لسكرتيره عبد الحميد درويش خلال الأعوام الخمس الماضية , فاقت بأضعاف ما نظمه هذا الحزب من ندوات و محاضرات خلال نصف قرن
و هذا إن دل على شئ , فإنما يدل على تطورات المشهد السياسي الكردي, في السنوات القليلة الماضية , على خلفية ما جرى من أحداث و مستجدات خطيرة على أكثر من مستوى , اهمها كانت و ستبقى , حادثة 12 آذار 2004 , و الإنتفاضة الشعبية الكردية العفوية التي أسفرت عنها , بالإضافة الى جريمة إغتيال الشيخ محمد معشوق الخزنوي, و جريمة إستهداف الكرد في نوروز 2007 و غيرها من الأحداث المتفرقة.
 و من الجدير أن نلاحظ , أن خلال السنوات الماضية , تغيرت رؤية النظام و أجهزته الأمنية لوضع الكرد في سوريا .

السلطات السورية لم تعد تقتنع بجدوى لفت أنظار الكرد الى الساحات الأخرى , كسبيل لإلهاءها عن ساحتها الأساسية , فإذا نجحت هذه السياسة في السابق , فهذا لا يعني أنها ناجحة في الوقت الراهن , لذا غير النظام من تعامله مع الكرد , و صب جل إهتمامه على دفع الأحزاب الكردية لأداء مهمة أخرى , ألا و هي محاربة التوجهات الداعية الى جعل الساحة الكردية و الوطنية في سوريا , الساحة الأساسية للممارسة النضالية , و تثبيت دعائم الصراع الأساسي الذي  ظهرت بسببه , القضية الكردية في سوريا , على أنها قضية أرض و شعب , يرتبط بحلها مصير الشعب الكردي الذي يرزح تحت وطأة السياسات الشوفينية و المشاريع العنصرية التي تستهدف وجوده و مستقبله .
 لذا فإن النظام الحالي مهتم في مراقبته و تعامله مع الملف الكردي بجانبين أساسيين .

الأول , إنهاك الشارع الكردي في تفاصيل و هوامش الخلافات المفتعلة بين الأحزاب الكردية , و تشويشه في خضم الإنقسامات الراهنة في الخارطة الحزبية الكردية .

فمن يريد أن يتخذ موقفاً , او ياخذ جانب حزب دون أخر, مطلوب منه أن يظهر وثيقة تثبت طحنه , و درجة الطحن .

فالمطلوب , دائماً و حصراً , إظهار الإنهاك و التشويش و فقدان العزيمة و الإرادة الحسنة.

و من يهيئ الطاحونة , و يسهر عليها , هم بالطبع , القيادات الكردية , لا غيرها .

أما الجانب الثاني من إهتمام النظام فهو تسليط الأحزاب الكردية على الشارع الكردي, و تكليف قياداتها , مهمة و مسؤولية , وأد القوى الحقيقية في صفوف الجماهير, و نبذ أراءها و مواقفها, و التشكيك في خلفياتها و مراميها.


وإذا كانت القيادات الكردية متورطة الى هذه الدرجة من التأمر على شعبها , و متواطئة على أعلى المستويات مع النظام و دوائره الأمنية في كبح طموحات الكرد و تطلعاتهم القومية العادلة , فإن أية دعوة , للتعامل مع هذا الوضع , من منطلق أنه أمر واقع , لا مفر منه , الى أن يستبشر الكرد بظهور بديل أخر , هي مجرد نزعة محافظة متهالكة , أسست لها قيادات الأحزاب , بغية حصر الكرد في فلكها المثقوب .

فإذا كانت الأحزاب الكردية قد فقدت آهليتها و صلاحيتها , و باتت المناقشة في أحوالها و أزماتها , مجرد مضيعة للوقت , و ضرباً من ضروب الترف الفكري و السياسي , فإننا مدعون للبحث في الخيارات الأخرى , أو تكثيف النقاش و الحوار في الإتجاه الداعي الى تحفيز القوى الحقيقية في الشارع الكردي , على طريق خلق بديل كردي ديمقراطي نظيف و برئ من الممارسات الهدامة و التصرفات المسيئة التي عملت على تجسيدها الأحزاب الكردية في المشهد السياسي , و من أجل تشييد سكة صلبة  للبديل القادم, لا بد كذلك من حث الفعاليات السياسية و الثقافية الكردية على دعم تجربة تنظيرية و ممارساتية جديدة من خلال الروئ و الأبحاث و الدراسات المهمة , فهذه الأخيرة , مجتمعة , لا يمكن أن تتفاعل و تتطور , و لا يمكنها أن تسفر عن أي أفق سياسي و ثقافي , في ظل الطقس السياسي الحالي .

إن زوايا و أبعاد النظر الى الحالة الراهنة , مهما تباعدت أو إقتربت , إذا ما إرتكزت على وهم معالجة الأزمة الراهنة في الحركة الكردية من خلال إجراءات إصلاحية , أو تكهنات إفتراضية لا تمتلك مقومات مادية , فهي , إنما , تهدف الى إستدامة الأزمة و إستمرار معاناة الشعب الكردي في سوريا .


لهذا لا يستوجب من البعض ان يخيرنا بين خيارين خطأين , إما أن يذهب من يصفون الحالة الراهنة بالمأساوية الى الإنتحار و العدمية و من ثم التطرف , او أن يختاروا التغيير المتدرج , البطئ , مع دعم النخب السياسية و الثقافية الكردية  , أي أن يبقى السلطان , و من يريد أن يشرعن له ..!

بلجيكا 7/8/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…