الأوهام الشوفينية بين اليوم والأمس

افتتاحية الديمقراطي *

مرت عشرات السنين وأصحاب العقول المريضة لا زالوا يرددون ما كانوا عليه قبل أكثر من نصف قرن ، حيث كانوا ينشرون دعايات كاذبة واتهامات باطلة حول نية مزعومة للحركة الكردية ترمي إلى ( تقسيم سوريا وتشكيل دولة كردية ) أو إلى ( اقتطاع جزء من أراضي البلاد وإلحاقه بدولة أجنبية )  تارة أخرى ، وظلت هذه الاتهامات السخيفة تلصق بالمناضلين الذين يطالبون بالحقوق القومية للشعب الكردي أمام المحاكم بقصد الحكم عليهم بأحكام جائرة وقاسية ، وبهدف إيجاد حاجز نفسي وعنصري بينهم وبين الجماهير العربية وتخويفها من نوايا الحركة الكردية ومراميها (المشبوهة) على حد زعمهم .

 

وقبل فترة قصيرة أثيرت ضجة حول هذه القضية من جديد في محكمة الجزاء في القصر العدلي بدمشق ، حيث وجه قاضي التحقيق التهمة هذه المرة إلى مناضلين عرب من قيادة إعلان دمشق ، وليس لعناصر كردية ، وقد فند المعتقلون هذه التهمة وقالوا بأننا حريصين على وحدة سوريا ، والأكراد أنفسهم لا يطالبون بالانفصال ، وإنما يطالبون برفع الظلم القومي عنهم ، ومنحهم الحقوق القومية الثقافية والسياسية والاجتماعية في إطار وحدة البلاد ، ومساواتهم في الحقوق والواجبات بباقي المواطنين.
إن هذه الاتهامات بقيت هي هي ولم يطرأ عليها تبدل أو تحول لدى أصحاب الأفكار والمفاهيم الشوفينية ، إلا أننا نود أن يدرك هؤلاء بأن اليوم  يختلف عن الأمس وأن زمانهم قد ولى دون رجعة ، ولم يبق سوى أقلية ضئيلة تردد أقاويلهم ، وان أوساطا واسعة من الرأي العام السوري العربي قد أصبح على يقين بأن إخوانهم الكرد حريصين على وحدة سوريا شأنهم في ذلك شأن إخوانهم العرب والآشوريين وبقية مكونات الشعب السوري ، وقد أثبتوا على مر الأيام هذه الحقيقة في الممارسة العملية ، ولم ينجروا قط إلى مواقف متشنجة وردود أفعال متطرفة ، رغم السياسة العنصرية التي مورست ضدهم ورغم المشاريع والسياسات الاستثنائية التي طبقت بحقهم ، بل ناضلت الحركة الكردية جنبا إلى جنب مع القوى والأحزاب الوطنية من أجل الحرية والديمقراطية في بلادنا ولتمتين الوحدة الوطنية لشعبنا السوري .على هذا الطريق خطت الحركة الكردية خطوات واسعة وباتت القضية الكردية قضية وطنية بامتياز وجزءا لا يتجزأ من القضايا العامة في بلادنا ومن الواجب الوطني إيجاد حل ديمقراطي عادل لهذه القضية في إطار حل القضايا والمشاكل العامة في البلاد التي يمكن أن تجد حلها المناسب في ظل ظروف وأوضاع ديمقراطية تسود سوريا ..
وعلى الذين يسيرون وراء الأوهام ويشجعون ثقافة التفرقة العنصرية ،والكراهية القومية ،أن يتخلوا عن أوهامهم ، وأن يعلموا بأن الركض وراء السراب لن يجدي نفعا  ولن يطفئ الظمأ ، وأن أفكارهم العنصرية قد أضحت شيئا من الماضي البغيض ، وأن الشعوب بحاجة اليوم إلى ثقافة التعايش والتعاون بدلا من ثقافة الكراهية والعداء .

ومن الواضح أن سياسة الاضطهاد والتمييز القومي التي مارستها الأوساط الشوفينية الحاكمة في سوريا خلال عقود ضد الشعب الكردي جلبت لهم الفقر والبؤس والحرمان ، ولم تجن البلاد أيضاً سوى التخلف ونشر روح الكراهية .
ووقائع التاريخ لا تدلنا على مثال واحد يدل على ان التمييز القومي والتفرقة العنصرية كانت عاملاً للتقدم والازدهار في بلد ٍ ما ، وإنما كانت في جميع الأحوال وبالاً على الشعوب تزرع الحقد والكراهية بين الشعوب ، وتخلف في النهاية التدمير والخراب.

* جريدة نصف شهرية يصدرها الحزب االديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا – العدد (509) اواخر شباط 2008

لقراءة مواد العدد انقر هنا  dimuqrati_509

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…