صلاح بدرالدينهل أخذت قوى “الممانعة” الحكمة من فم الرئيس الليبي العقيد القذافي في قمة دمشق العربية عندما توجه الى كل من يهمه الأمر من الحكام والزعماء بأنه يمكن أن يحصل لأي منا كما حصل مع الرئيس العراقي المشنوق صدام حسين ؟
كل الدلائل تشير أن ذلك التحذير المكشوف لم يطلق جذافا ولم يصدر من فراغ بل نابع من تجربة واقعية حصلت مع مطلقها أولا ودعوة في منتهى الصراحة – بغض النظر عن الدوافع والأهداف وظروف الزمان والمكان – الى أطراف “الممانعة” من أنظمة ومجموعات ومنظمات من عرب على وجه الخصوص
اذا منذ القمة العربية الأخيرة تحديدا والتي وصمت بالفشل الذريع حضورا ونتائج سياسية بدأت الغيوم تنقشع وتظهر الى العلن ما كان سرا في دهاليز الخفاء أو محظورا في لغة “الممانعة” وخطابها الآيديولوجي من تجلياته المتواصلة التي لم تتوقف بعد :
أولا – الركون الايراني الى خط المهادنة مع السياسة الأمريكية والأوروبية رغم كل التذبذبات الطالعة والنازلة ان كان بشأن الملف النووي أو القضايا الاقليمية في العراق ولبنان وفلسطين والخليج وقد تكون نتائج وافرازات معركة البصرة وكسر شوكة التيار الصدري أمام السكوت الايراني احدى المؤشرات وحسب معظم التحليلات فان الفوز البرلماني الساحق للطاقم المسيطر على مقاليد الحكم الموصوف بالمحافظين بانتزاع ثقة الأغلبية الشعبية حسب النتائج الرسمية المعلنة سيعقبه تكريس حاسم للنهج المهادن دون أية معارضة تذكر والذي سيتزامن تطبيقه على الأغلب مع حسم الانتخابات الرئاسية والاشتراعية الأمريكية آخر العام الجاري وانبثاق الادارة الجديدة.
ثانيا – اعتراف النظام السوري بعد طول تنصل بوجود مفاوضات مع اسرائيل منذ أعوام وقبول وتثمين الوساطة التركية بهذا الشأن لدى زيارة رئيس الحكومة التركية الى دمشق قبل أيام تلك الوساطة التي يقودها مستشار السيد أردوغان د أحمد داود أوغلو بما له من مكانة خاصة لدى الدولة العبرية حيث يعود بأصوله الى يهود – الدونما – على أساس اعادة الجولان مقابل ابرام اتفاقية الصلح والسلام الكامل بين الطرفين على غرار ماتم بين اسرائيل وكل من مصر والأردن مع اظهار الرغبة السورية الرسمية والعلنية في أن تكون الادارة الأمريكية القادمة وسيطا وراعيا لابرام تلك الاتفاقية.
ثالثا – دعوة حركة حماس الى التهدئة الطويلة المدى مع اسرائيل وقبول الوساطة المصرية بهذا الشأن والاستعداد لبذل كل ما هو مطلوب لقاء احتفاظها بسلطتها الانقلابية في غزة.
رابعا – طرح رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري لما سماها بالمبادرة الحوارية مع الأغلبية بتخويل من حزب الله وهو نوع من الاقصاء للجنرال عون المتشدد بعد أن كان المكلف بالحوار سابقا من جانب المعارضة وهي وبالرغم من ملابساتها ودوافعها غير النزيهة تعتبر نوعا من المرونة بلغة السياسة والاعلام في الساحة اللبنانية.
يمكن قراءة هذه التحولات الظاهرة في مواقف قوى “الممانعة” من زاوتين كلاهما تتطلبان الحذر الشديد : الاولى باعتبار خيار المهادنة والحوار مع اسرائيل وعقد الصلح معها والتفاهم مع من تعتبرهم قوى “الممانعة” جماعة أمريكا والغرب من صلب استراتيجية هذه القوى وأن ما كانت تدعيه من مواجهة وجهاد واستشهاد لم تكن الا شعارات ومزايدات اعلامية وتجارة بالأرواح ومحاولات لشد انتباه ودعم الشارعين العربي والاسلامي حيث أنها ومنذ أعوام وبمختلف تياراتها وتعدد منطلقاتها تحاول جاهدة الوصول الى طاولة الحوار مع الغرب واسرائيل وانتزاع الاعتراف الدولي بها كمحاور وممثل شرعي لدولها وشعوبها وطوائفها وفئاتها وبالتالي تعزيز نفوذها الى جانب الآخرين والثانية ما يحصل هو مجرد تكتيك لكسب الوقت والتحضير لعمليات نوعية لتغيير موازين القوى وانحناء وقتي أمام العاصفة الآتية من المجتمع الدولي والمحكمة ذات الطابع الدولي المختصة بمحاكمة قتلة الحريري ورفاقه واحتمالات وقوع هجمات عسكرية أمريكية أو اسرائيلية وبوادر نجاح عملية التغيير الديموقراطي في المنطقة على المديين المتوسط والبعيد بدءا من العراق وانحسار الارهاب أمام الارادة الدولية وآخر محاولات الحفاظ على الأوضاع القائمة بتمرير الوقت, وفي كلا الحالتين ستكون قوى “الممانعة” الخاسر الأكبر لسبب في غاية البساطة وهي أنها فكرا وممارسة ليست خيار المستقبل المشرق لشعوب منطقتنا والعالم بل مصدر الاستبداد والجهل والظلامية والفتن والارهاب الى جانب أن هذه القوى والجماعات أعجز من أن تتخذ موقفا موحدا تجاه مختلف القضايا المطروحة وهو أهم مكامن ضعفها بل هناك تمايزات الى درجة التناقض بين بعض مراكزها ومشاريعها وخططها على مستوى ساحات وبلدان المنطقة التي تجمع خليطا غير متجانس : القومي بالسياسي والاقتصادي بالثقافي والوطني بالمذهبي والعربي بالايراني والتركي.
من المفترض أن الأطراف الأخرى من قوى الحرية والديموقراطية والتغيير والسلم المواجهة لقوى “الممانعة” من محلية واقليمية ودولية وكل من موقعه قد اختبر سلوكها منذ أعوام ومن غير المحتمل التعامل مع طروحاتها المستجدة الا بحذر شديد أو التهاون مع شططها السابقة واللاحقة ومسؤولياتها عن اراقة الدماء وجرائمها ضد الانسانية من غير المرور بعملية احقاق الحق وتحقيق القصاص العادل على كل من يثبت القضاء المحلي والدولي ادانته فردا كان أو مجموعة أو نظاما وهنا يبرز دور حركات المجتمع المدني وقوى المعارضة والتغيير الديموقراطي في بلداننا والمؤسسات الدولية ذات الصلة من هيئة الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان وبرلمانات العالم الحر للتحرك من أجل تطبيق العدالة , من جهة أخرى على قوى التغيير الديموقراطي أن لاتقف مشدوهة أمام تكويعة “الممانعة” بل من صلب مهامها اجراء مراجعة وتقييم لما يحدث ومناقشته من كل الجوانب والتعامل معها بواقعية من موقع القوة والثقة بالنفس ومن ثم طرح حصيلة النتائج على الرأي العام وتنويره بالحقائق والاستعداد لكل الاحتمالات وردود الفعل الاقليمية والدولية خاصة اذا علمنا حساسية المشهد الدولي وبحث بعض أطرافه عن انجازات سريعة مهما كانت الانعكاسات على القضايا الوطنية الداخلية والجنوح الاسرائيلي نحو استيعاب النظام السوري الضعيف المتهالك دون أي اعتبار لمستقبل الشعب ومصير الديموقراطية وحقوق الانسان وقيام نظام التحالف الاسلامي – العسكري التركي بدور المنقذ لنظام الأسد خدمة لمصالحه وتردد عرب الاعتدال في حسم المواجهة من نظم الاستبداد وجماعات الارهاب الديني الأصولي أو تقديم الدعم المعنوي الاعلامي النزيه لقوى المعارضة الوطنية والسورية منها على وجه الخصوص انطلاقا من قراءاتها الخاصة الخاطئة بطبيعة الحال لمستقبل اصطفاف القوى في سوريا الجديدة مابعد الدكتاتورية عندما يتم الربط المباشر الكاريكاتوري مع النموذج العراقي الذي لن تتكرر آليات اسقاط نظامه وأشكال صراعاته المذهبية في الساحة السورية أبدا.






