مفهوم الشرعية من المنظور التركي

كومان حسين 

دعمت الحكومة التركية ظاهريا و ناصرت الثورة السورية ضد نظام الاستبداد ، و فتحت معابر حدودها البرية ، و موانئها الجوية و البحرية أمام تدفق المهجرين و المهاجرين السوريين  ، الفارين من مناطق العمليات العسكرية الساخنة حتى بداية عام ٢٠١٦ بدون تأشيرة الدخول ، و استقبلت تلك الجموع كضيوف على أراضيها ، فضلا عن تقديم التسهيلات من أجل انعقاد مؤتمرات المعارضة في أفخم فنادقها ، و ساهمت بقوة في إبقاء مكاتب و مقرات المعارضة الرسمية ابتداءا من المجلس الوطني السوري و لاحقا الائتلاف الوطني لقوى الثورة و المعارضة ، التي حازت على تمثيلها لتطلعات الشعب السوري من قبل الدول ، ثم تاليا أحكمت قبضتها في المفاصل الهيكلية التنظيمية ووضع الخطوط الحمر ، وفق مصالحها الآنية و الإستراتيجية ، على مسارات الفعل على الصعيدين السياسي و العسكري ،
 و استحكمت بصنبور تدفق ترياق دوام الاستمرارية حسب درجة الولاء و الانصياع و مدى تنفيذ الأجندات الخاصة بها ، حفاظا كما تدعي على أمنها القومي التركي ، من الجنوح الكردي نحو تشكيل كيان مستقل في شمال سوريا على الشريط الحدودي المتاخم لتركيا ، وكان ذلك أهم حافز لها بالتدخل العسكري المباشر لبعض المناطق السورية ، و ايضا محاولة الإكثار من أوراق الضغط بيدها لتنال أكبر الحصص من الكعكة السورية . 
إن غض حكومة العدالة و التنمية الطرف عن ممارسات و أفعال وكلائها  – بالإنابة – البشعة و المنافية لأبسط مبادئ حقوق الإنسان و قد ترتقي بعضها إلى جرائم الحرب ، في بعض مناطق الشمال السوري ( إدلب و عفرين ) ما زاد من تمزق النسيج المجتمعي السوري ، الذي كرسه النظام منذ انقلاب عام ١٩٧٠ على حساب الهوية الوطنية الجامعة ، حتى كان التمترس خلف العشيرة ، و الآيديولوجيا ، و الارتزاق السمات الأبرز للواقع السوري الراهن . 
في حين دعمت الحكومة التركية و بكل ثقلها حكومة الوفاق في طرابلس التي لم تنل حتى ثقة البرلمان الليبي المنتخب ، و حازت على شرعيتها بموجب الاتفاق السياسي بين أطراف النزاع الليبي  في الصخيرات ٢٠١٥ و الامم المتحدة ، فدأبت تركيا على استغلال حكومة السراج المؤدلجة ، و الشرعية حسب زعمها و أبرمت معها عدة اتفاقيات استحوذت بموجبها على إدارة حركة الموانئ الخاضعة لحكومة الوفاق من قبل شركة تركية مقربة من الرئيس إردوغان بالإضافة إلى التحكم بقرارات مصرف ليبيا المركزي ، و تسعى بكل جهد للتنقيب عن مصادر الطاقة في حوض المتوسط و إرغام اليونان للجلوس على طاولة رسم الحدود البحرية الموضوع الشائك و العالق بينهما منذ عقود . 
كيف يمكن الاستدلال إلى  الدور التركي و شعاراته اللماعة و المزركشة و تقييم أدائه و معرفة  مفهوم الشرعية من منظور الحكومة التركية التي لم تدخر اي جهد و على حساب مصالح و تطلعات الشعبين السوري و الليبي في التحرر من الذل و العبودية ، للحفاظ على مصالحها من منطلق قومي طوراني صرف ، كما وظفت الدين و خاصة بين الطائفة السنية عبر وسائل تنظيمات  الإسلام السياسي ، حيث ألهبت تلك المشاعر لصالح المشروع التركي و استعادة ما فقدته من قوة و دور في عهد ما قبل الرجل المريض و تعمل على  تأسيس الأرضية التي تمكنها من لعب دور إقليمي بارز، بقوة و فاعلية في تغيرات المشهد الشرق أوسطي ، والثابت في السياسة انه متغير، حيث كانت الانياب التركية  مكشرة و توهمنا بانها ضاحكة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف   لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا. فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر…

أكرم محمد تشهد الساحة السياسية الكردية السورية حالياً واحداً من أعنف السجالات الفكرية والسياسية، المتمحورة حول شخصية الدكتور عبد الحكيم بشار، القيادي التاريخي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وأول رئيس للمجلس الوطني الكردي. فالباحث في مسيرته يراه سياسياً أمضى عقوداً في خندق المعارضة الراديكالية ومطالباً بالفيدرالية من عواصم الاغتراب الأوروبية والإقليمية، لينتهي به المطاف اليوم جالساً تحت قبة مجلس الشعب في…

لوند حسين* في رسالته الموجهة إلى الكونفرانس الثالث لاتحاد البحوث الإسلامية في ميزوبوتاميا «MÎA-FED» باسم مؤتمر(الإسلام الديمقراطي) الذي انعقد بقاعة علي أميري بمدينة آمد (دبار بكر) يوم السبت 20 حزيران/يونيو 2026، يطرح عبد الله أوجلان رؤية تعتبر أن الديمقراطية متجذرة في جوهر الإسلام، وأن وثيقة المدينة «يثرب» تمثل أحد أوائل النماذج الديمقراطية في التاريخ، وأن الانحراف بدأ مع قيام الدولة…

شـــــريف علي دخلت العلاقات بين إقليم كوردستان وسوريا منذ تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مرحلة إعادة تشكّل عميقة، انتقلت فيها من القطيعة والتوتر إلى انفتاح سياسي وتنسيق أمني وحوار كردي–سوري برعاية كوردستانية. سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول 2024 فتح الباب أمام دمشق للبحث عن بوابات آمنة تعيد عبرها وصل ما انقطع، وكان الإقليم –…