المثقف الكوردي العضوي … مشعل التمو وفرهاد عجمو … نموذجا

اكرم حسين

يقسم المفكر الايطالي انطونيو غرامشي المثقفين
الى نوعين الاول تقليدي يمثل الفكر المحافظ والمنبطح للسلطة الحاكمة والاخر هو
المثقف العضوي الممارس للفعل الاجتماعي القريب من الجماهير والمتماهي معها ، بحكم
تبنيه لقضاياها اليومية والمصيرية وسعيه الدائم الى التغيير والتحسين المستمر بهدف
الاصلاح الثقافي والاخلاقي وخير من مثل هذا النموذج كورديا في وقتنا الراهن هما
الشهيد مشعل التمو والشاعر فرهاد عجمو دون ان نقلل من قيمة الاسماء الاخرى ، التي
تزخر بهم ساحتنا الثقافية الكوردية السورية كجكرخوين ونورالدين ظاظا واوصمان صبري
وغيرها من الأسماء المهمة ،التي قد نناقش في اوقات لاحقة دورهم التنويري وما قدموه
للثقافة الكوردية من اسهامات ، وللفكر السياسي والديمقراطي النضالي الكوردي من
انجازات ،لكننا سنتعرض هنا  لهذين الاسمين على سبيل المثال لا الحصر ،لذلك ارجو ان
يعذرني بعض الاصدقاء على عدم ذكر اسمائهم في هذه السطور. 
يمثل الشهيد مشعل التمو نموذجا حقيقيا للمثقف العضوي الغرامشي الملتزم والمنخرط
عمليا في قضايا امته وشعبه والمدافع عن قضايا الحرية والتعددية وحقوق الانسان فقد
انخرط في الحزب الكوردي منذ بداياته وظل مدافعا عن القيم التي امن بها ، مناصرا
للحق وللمظلومين بغض النظر عن انتمائهم القومي او الديني يفضح السلطة المستبدة و
اكاذيبها وخداعها ،لا يقبل بأنصاف الحلول ينتقد قبيلته وعشيرته السياسية ، متمردا ،
مجددا ، رافضا لقيمها الابوية ، وقد جسد كل ذلك ثقافيا في كتابه “رؤية نقدية في
ظاهرة التخلف السياسي الكوردي في سوريا” ، ركز فيه على انغلاق الحزب الكوردي
واستئثار الاب الحزبي بكل مفاصل الحزب ،ودوره الرئيس في لعبة الانشطارات الحزبية
،وهو ما جعله يثور على هذه الابويات داعيا الى تحطيم الطوطم الحزبي واطلاق سراح
العقل النقدي ، ليواجه بذلك التأخر والجهل والامية السياسية والفكر الغيبي واستعباد
المرأة ،اسس منتدى جلادت بدرخان الثقافي ، ويعود له الفضل في توثيق العلاقات
الكوردية مع اطراف المعارضة السورية والانفتاح على مختلف القوى والتيارات ،
والتركيز على الوطنية السورية مع الحفاظ على الخصوصية الكوردية ، باعتبار ان الشعب
الكوردي مكون رئيس من مكونات الشعب السوري ، يجب ان يشارك في السلطة والثروة ، فهو
القائل من رسالته الاولى في سجن عدرا المركزي بتاريخ 1/12/2008(اعتقد بأننا نحتاج
إلى جاهزية قصوى فنحن جزء من حالة وطنية ينتظرها الكثير من العواصف ومن حقنا أن
نستعد لها فالمتغيرات ستأتي وستكون اشد من أي توقع وشبابنا الكوردي مطالب بالانتباه
للدفاع عن حقنا القومي ووجود شعبنا كقومية أساسية في سورية مدنية وديمقراطية
ولنساهم معا في إنهاء احتكار السلطة وبناء دولة الحرية والديمقراطية والسلام) ،
وبعد تأسيسه لتيار المستقبل الكوردي طرح نفسه كحالة معارضة بهدف تغيير النظام
لاستحالة اصلاحه وعحزه البنيوي عن القيام باي تغيير، سجن لثلاث سنوات بسبب آرائه
ومواقفه العملية في وجه نظام الاستبداد ، وبعد خروجه من السجن اثر اندلاع الثورة ،
شارك في قيادة التظاهرات في الاقليم الكوردي السوري ، وانحاز الى شباب الثورة ، ثم
حاول عقد مؤتمر للإنقاذ الوطني في داخل دمشق الا ان السلطات قتلت اكثر من خمسة عشر
مواطنا ممن كانوا يعدون لعقده الى ان اغتالته رصاصات الغدر في مدينة قامشلو
7/10/2011.  
النموذج الثاني للمثقف الكوردي الغرامشي ، لازال حيا بيننا ينقد،
ويعرى الظواهر الشاذة ،ويحث المجتمع على تمثل القيم المعرفية والاخلاقية والدفع بها
الى الامام ، انه الشاعر والمهندس فرهاد عجمو الذي يعيب على السياسة الكوردية
رذائلها، وطرقها الملتوية ،ويجيب بطريقته على المتطلبات السياسية والتاريخية
والزمانية ،عبر قصيدة تحاول الافلات من قبضة السياسة واوحالها في بحثه عن الخلود
الابدي ،لكنه سرعان ما يسقط في شباكها ،لان السياسة عند فرهاد هي في كل ما يحيط به
وما يصيغه من موضوعات انسانية نبيلة ،لانه انسان اولا يشعر ويحس بما حوله ،ولانه
ولد وعاش في مجتمع عانى الظلم والاضطهاد والتهميش والاقصاء ،لذلك في حالة فرهاد
تشتبك موضوعات الحب ،والغناء ،والتامل، والحياة ،والغيب،مع السياسة ،لتنشأ بينه
وبين السياسة علاقة ضمنية واشتباك لا محدود ، فتجد السياسة حضورها الموارب حتى في
اكثر قصائده رومانسية وذاتية ،في تأكيد صارخ على عدم وجود تعارض بين الحقيقة
الجمالية والمرامي السياسية ،فالموضوعات التي تحرك فرهاد وتستوطنه هي موضوعات
انسانية وقضايا كبرى اقلقت الكائن الانساني منذ وقت طويل، وهو في اثارته لهذه
الاسئلة المقلقلة وفضحه وهجومه على الواقع المأسوي، وعلى الانتهازية السياسية التي
تعشش فيه ،وتدفع به الى الثبات والسكون، يحاول ان يفتح عقول الناس على مصادر جديدة
للأمل في سعيهم الدائم نحو الانعتاق والحرية، عبر لغة موسيقية وبصرية غنية بالصور
والدلالات، ودمجها بكم هائل من الصور الواقعية والتراثية ، واعادة صياغتها على نحو
جديد ،بتضمين قصائده فلسفته الذاتية المتعددة الابعاد ، لأنه يمسك بناصية اللغة
ويجيد تطويعها ، معتمدا على التكنيك الغنائي في بناء قصيدته المنظورية الذاتية ،
وبهذا يحاول ان يعبر عن رؤيته الشخصية او ردة فعله ،تجاه ما يجري من انتهاكات
وجرائم بحق الانسانية .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…

مروان سليمان تتحول الإنقسامات في سوريا من الظواهر المتفرقة في عهد النظام البائد إلى إنقسام منظم تعيد تشكيل الفرد و المجتمع و السلطة مع بعضهم البعض و لم يسأل أحد نفسه كيف يمكن التعايش في ظل هذه الأجواء المشحونة و الإنقسام الموروث و النتيجة الواضحة هو أنه لم يعد هناك إختلاف بل رفض المختلفين كلياً و عدم إعطائهم مساحة للتعبير…

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…