الخلاف والاختلاف في الحركة الكردستانية – الجزء الأخير

د. محمود عباس

   يبقى الضعف الكردي فارضا ذاته لطغيان
الخلافات بين الحركة الكردستانية، وتسعيرها من قبل شريحة ثقافية واسعة، فتستغلها
الحكومة التركية، وتزيد من تأجيج الخلاف، ولا تتوانى بالتغطية إعلاميا على ما تقدمه
من إسناد وخدمات في كل المجالات للمنظمة التكفيرية ولغيرها اللواتي هم على التماس
مع المنطقة الكردية، وتحرك لوبيها في الفضاء الأمريكي والأوروبي، لعرض الكرد على
نفس النسق مع المنظمات الإرهابية، وهنا تكمن الخطأ الكردي، وهشاشة مقاومته لهذا
التلاعب الدبلوماسي والسياسي، ولا يعيرون الانتباه على أسباب اهتمام الإعلام العربي
الواسع بالمقالات والكتابات التي تنشر الخلاف وتفاقم من الصراع بين الأطراف
الكردستانية السياسية، ولا يهم معظم كتاب هذا المنطق من الكرد الخلافات المتفاقمة
بينهم، بقدر ما يهمهم العصبية الحزبية وشهرة الأنا، فمهاجمة البعض وابتذال طرف
للأخر في الواقع الوطني وفي المحافل الدولية، دلالة عدم الوعي الوطني، وقصر النظر،
فيتناسون أمام هذه الجمالية الدعائية الخبيثة في الإعلام العربي، أن الازدراء
المتبادل ضعف للذات مثلما هو للأخر.
   الخلاف الجاري بين أطراف الحركة الكردية والكردستانية، أظهر العديد من الأمراض
التي كانت مستعصية على الأعداء خلقها، فسهلت للقوى الإقليمية استمرارية الهيمنة على
الأحزاب، رغم الثورات الجارية، وبالحفاظ على أساليبهم لفرض أجنداتهم، فسلطة بشار
الأسد لا يزال حاضر الوجود في معظم الجدالات الكردية، حتى ولو كانت تهم مطعونة،
ومثلها الهيمنة التركية والإيرانية، وللجميع أصابع بتمهيد الطرق لداعش وغيرها من
المنظمات الإرهابية الولوج إلى العمق الكردي، وعملوا على تعشيش خلايا نائمة بين
الكرد، وهي التي أدت إلى أنتشار نوع من الرعب المؤدي إلى جزء من الهجرة والنزوح من
غربي كردستان، إلى جانب الخلاف المتفاقم بين الأحزاب وقناعة الشعب بعدمية بلوغ
التوافق، وهي المؤدية بدورها إلى ظهور العجز في وضع الحلول لقضايا عديدة مستعصية،
لا قدرة لطرف منفرد بحلها، ومنها الاقتصادية والبيئية، والدفاع، وعدم قدرتهم على
إظهار القوة الكردية كقوة وطنية أمام العالم الخارجي، وخاصة الدول الكبرى التي
تحارب الإرهاب، هذه هي نتائج الخلاف وليس الاختلاف.
   الشعب الكردي بشكل عام
وفي غربي كردستان الأن هو الذي يدفع ضريبة هذه الخلافات، والصراعات الحزبية، والثمن
باهظ، ومن المؤسف بأنه لا يزال يقدم الكثير من التضحيات على مذبح الخلافات التي لا
تلتئم، وفاقم في هذا أطراف من الحركة الثقافية، الذين شاركوا أو اجبروا على الولوج
في صراعاتهم، والعديد من شخصيات الحركة الثقافية رفعوا على أثرها رايات الوطنية
والخيانة بأشكال متنوعة، وعمقوا من هوة الخلاف، ولا داعي لتكرار تلك التهم وبيع
الوطنيات التي نشرت عن طريق سلطة بشار الأسد هنا ثانية، وقد كان لنا فيها جولات،
ومن كان ورائها، لكن من المهم تكرار ما ذكرناه آنفاً، بأنه على ساحة هذا الصراع،
غاب الاختلاف والنقد المنطقي، وخيم التهجم، بين الأطراف الكردستانية، وليس فقط في
غربه، وهي لا تزال تثار بكل قوته، وما يجري اليوم على ساحة الإقليم الفيدرالي، وحيث
الصراع بين الديمقراطية والرجل الأنسب للمرحلة، لرئاسة الإقليم، تحفر العديد من
الحفر لطمر القضية الكردستانية، وليست لبناء الديمقراطية، فورائها يقف الهلال
الشيعي، الباحث عن الهيمنة على الشرق الأوسط بكل الوسائل والطرق، وفي الواقع
الكردستاني يكون عن طريق قوى كردستانية تتبعها، وهي قنديل والسليمانية، ولا تعني
هذا أن هولير أفضل منهم استراتيجية أو أنزه منهم، فهم معا يخرقون هنا منطق الاختلاف
والتحاور على القضية. فعلى أعتاب التبعيات هذه، دفعت أحد أطراف الحركة الثقافية في
غربي كردستان الثمن، وحصل الانشقاق الأول والثاني في اتحاد كتاب الكرد قبل أن يبلغ
من العمر ثلاث سنوات، وهو ما كنا قد نبهنا كطرف في الحركة الثقافية، على ما سيجلبه
عملية الاستقواء بالأحزاب السياسية، والتخلي عن الرأي الحر، في واقع ينعدم فيه
الدستور والمؤسسات الوطنية المستقلة، لكن أنانية البعض وحب الذات والتباهي بالأنا،
جرفت بهذا الطرف من الحركة الثقافية إلى نفس المنزلق الذي وقعت فيه الأحزاب.
   تقوية الذات والصمود أمام المؤامرات الإقليمية، ومواجهة المنظمات التكفيرية
العروبية-الإسلامية، والتلاقي مع المصالح الدولية، لبلوغ الغاية، تبنى على خطط
التحرر من الإملاءات الخارجية والداخلية، وتقوى بالتلاقي والتحاور، والمشاركة في
النضال على منطق الاختلاف، وقبول الأخر، برأيه ومنطقه، ولا شك الهوة واسعة وعميقة،
لكن ليس صعبا تجاوزها، عندما تدرك الأحزاب الكردستانية، وفي غربي كردستان بشكل خاص
أن أفضل وأنجح الاستراتيجيات هي الاستراتيجية الكردستانية، وأصوب الطرق هي المستندة
على التكتيك المخطط ذاتيا وبشراكة، فبدونها سيدفع الشعب الكردي في غرب كردستان
الثمن باهظاً، وعلى الأغلب أن القادم أشد هولاً، فالسبل التي مهدها سلطة بشار الأسد
والدول الإقليمية عن طريق داعش وغيره، عديدة، ولا يمكن قطعها بدون شراكة كردستانية،
وأطول المسيرات تبدأ بخطوة، ولا يوجد نضال بدون تضحيات، فالخلافات بلغت حداً
كارثيا.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة
الأمريكية
2482015
نشرت
في جريدة بينوسا نو العدد 40 الناطقة باسم رابطة الكتاب والصحفيين الكرد في
سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…