آلية من آليات الشحيح

ماجد ع  محمد
حسب علم النفس أن البناء النفسي للإنسان البخيل تم إكتسابه من تمسكه القوي بالحياة، ومن نظرته للحياة بأنها ثابتة ودائمة وغير منتهية، لذا يكون قابضاً على المال حتى في أحلك الظروف بالنسبة له، لأن انهماكه بالجمع، وكره الإنفاق، جعلاه يرى الدنيا كلها زائلة والمال وحده في ثباتٍ مبين، كما يتأتى حرصه من ظنه بأن معظم إن لم نقل كل الفرص الحياتية قد غادرته، وما عليه إلاّ المحافظة على ما بين يديه قدر المستطاع، حتى ولو كان بُغضه للصرف قد يحرمه من العافية نتيجة النقص الحاد في غذائه اليومي، وحيث يغدو حاله عندذاك كحال مالك صهريج ماءٍ لم يعد يُرفد بمياه الينابيع أو الأمطار، فمن زيادة حرص صاحبه على الماء المخزّن وخوفه من نفاده يكاد محتوى المخزون أن يتأسن فلا يستفيد من الاحتفاظ به.
من كل بد أن البخيل يعيش حالة نفسية تعيسة، ولكنها غير ظاهرة للعيان، طالما أن تلك الحالة لا تستدعي فخر الإعلان عنها، باعتبار أنها مذمومة من قبل عامة الناس، لأن البخيل يعرف بأن أي شكوى من الجود في سبيل الواجب سينكشف أمره أمام الملأ، ويكون عندها موضعَ استخفافٍ واستهجان لدى كل من يعرفه، لذلك وكوسيلة من وسائل الحماية وإبعاد الشبهة عن الذات، قد ترى مقتّراً يستخف بقرينه الشحيح ويتحدث جهارة عن مقابح البخلاء علّه يبعد التهمة عنه بضعة كيلومترات.
ويبقى المبتل بداء الشُّح مثله مثل المبتلين ببعض الأمراض الظاهرة والمعروفة لدى أبناء المجتمع، بينما أصحابها يظنون بأن لا أحد يلاحظ تلك العلل فيهم، أو أن ما من أحد ينتبه إلى الزوايا المخفية في ممارساتهم السلوكية، ولا يخطر على بالهم بأن ما كانوا يخفونه لسنوات طوال هو في حقيقته ظاهر للعيان وثمة من يدرك مكنوناتهم، والمخفي عملياً مكشوف من خلال تصرفاتهم بين الناس، والذي عادةً ما يظهر في المواقف التي لا يستطيعون فيها إخفاء ما يكنونه.
على كل حال فلن نتطرق هاهنا إلى ما ذكره الجاحظ في كتابه “البخلاء” ولا إلى الدراسة القيمة عنه، إنما سنختار حالة وآلية واحدة من آليات البخيل المعاصر، والتي ما تزال معمول بها وبكثرة من قبل الكثير ممن يحيطون بنا من الأصدقاء وعلى وجه الخصوص الأقرباء، وهي آلية إظهار الإنزعاج من أحدهم، وخلق إشكالية اجتماعية ما لأجل التخلص من بعض النفقات التي سيظل يدفعها، أو هو يشعر المتهرب بأنه مجبر على دفعها، لذا لا مفر له منها إلا في حال اختلاق مشكلة يجعله يقطع علاقته بفضلها إلى حين مع الجهة التي سيضطر الإنفاق عليها إن لم يجد سبباً لوقف ذلك الإنفاق، وذلك سواءً أكان مؤقتاً ذلك الأمر أم فترة زمنية طويلة، حيث يتذرع الشخص المقتر حينها بأتفه سبب حتى يزيح عن كاهله ثقل الواجب الاجتماعي أو العائلي، وخاصة فيما يخص أقرب الناس إليه كاخوته ووالديه.
ولكي  يتخلص المقتّر من كابوس الإنفاق على الاخوة أو الأب والأم، فهو لديه قابلية واستعداد دائم للامتعاض من أي كلمة أو موقف، من أولئك الذين يشعر بأنهم يُشكلون عبئاً اقتصادياً عليه، فهو قد ينزعج من حركة طفل ما في البيت، أو من كلام سيدة ما في العائلة، أو من موقفٍ عاديٍّ لا يستدعي الإنزعاج أصلاً بالنسبة للشخص السوي والمتفاعل مع المحيط الاجتماعي والذي لديه المرونة على تقبل الأحداث وأسوأ الظروف والمواقف، لأن آلية الإنزعاج التي يلجأ إليها الكائن الشحيح هي السبيل الوحيد للتحرُّر من سطوة الواجبات التي يستثقلها، الواجبات التي يستشعرها وكأنها مداحل تمشي على جسده، وهو يفكر ليل نهار للتخلص من عبئها، وتلك الآلية لا شك تُستخدم سواء مع الأصدقاء أو مع العائلة والأهل في البيت الواحد.
لذا فإن المقاطعة على قلب الشحيح كالثلج الذي يغمر المرء المُعاني من قيظ البيداء، والمقتر في حقيقته يبقى جاهزاً لإشهار المقاطعة مع الجيران، أو مع العائلة، أو مع سكان البيت الواحد، فهو قد يختلق حجةً تجعله يتحرر من طلبات والدته، وقد يجافي والده عاماً كاملاً أو أكثر إذا ما شعر بأن والده بحاجة ماسة للمساعدة المالية من الأولاد، وقد يختلق مشكلة مع أخيه أو أولاده لكي يتحرر من هاجس التواصل معهم، فمجرد أن لا يقوم أحدهم بإلقاء السلام على الشحيح من باب السهوِ قد تكون فرصة ذهبية له لإظهار الإنزعاج، وبالتالي إغلاق باب المودة مع الطرف الآخر إلى حين زوال المخاوف الاقتصادية التي دفعته لاختلاق الذريعة.
والذرائع رغم كثرتها إلاّ أن المقتّر يتعب أحياناً في إيجاد الذريعة المناسبة التي يقدر أن يقنع المحيط من خلالها بصوابية موقفه حيالها، وكما قلنا فرغم كثرة الحجج إلا أن القابض على الفلس كما يقبض المرء على السائل خشية من الإنزلاق من بين أصابعه، بحاجة ماسة إلى دلائل مقنعة تدعم موقفه، وبعكس التصور العام عن إنسجام البخيل اجتماعياً، فالبخيل لا يحب أن تتم معاملته بصدق واحترام وعدل ومساواة لأن تلك العلاقة السليمة ستجبره على الإلتزام بالكثير من الواجبات تجاه المحيط الاجتماعي أو أهل بيته وعائلته، ولأن التعامل معه بناءً على القيم المذكورة أعلاه ستكون لاحقاً مكلفة مالياً بالنسبة له، لذا يكون في أتم احتراقه الداخلي إن كان الطقس مستقراً من الناحية الاجتماعية في محيطه، ونفسيته لا تكون في حالة الإنتعاش التام، إلاّ إذا ما ظهرت المشاكل، وكثرت الخلافات العائلية، لأن الأجواء المشحونة بالحسد والكراهية وبالتشنجات الاجتماعية هي المنقذ الوحيد للبخيل من الإنفاق على الأهل أو الأقارب أو المعارف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…