غربة الأهل والأصدقاء

عصمت شاهين دوسكي  
حاولت عدة مرات أن لا اكتب في هذا المجال الحساس جدا ، لكن في كل مرة يتعمق الحدث أكثر وهو من مخلفات الحروب والأزمات التي لا تظهر لها للعيان أي حل أو بديل سليم في المجتمع من إطار التربية والمنهج الفكري الصحيح أو العدالة الاجتماعية  ، فبعد غربة الروح وغربة الوطن تجلت غربة الأهل والأصدقاء ، في عدة زيارات للمرضى الذين يعانون من أمراض قد تكون مزمنة وشدة الحالات الاجتماعية المرهقة لا أجد الأهل والأصدقاء حول المريض خاصة وهو يعاني الأمرين المرض والوحدة الإنسانية التي تكاد تكون منفية إلا ما ندر وأتساءل مع نفسي أين الأهل والأصدقاء وأين صلة الرحم والإنسانية ؟ لماذا هذه الغربة خلقت وتجلت رغم التطور والتواصل الاجتماعي ؟
 حينما يكون الإنسان على فراش المرض نطلب من الآخرين أن يدعوا له بالشفاء العاجل ، وربما من يدعو له يكونوا غرباء ، وتراءت تساؤلات أخرى جمة اجتماعية وإنسانية في زيارتي لابن أختي المحقق موفق محمد سعيد بعد أزمات قلبية ودماغية أدت به إلى فشل كلوي ثم إلى غسل الكلى مرتين في الأسبوع  ورأيت مأساة الروتين الطويل في المستشفيات التي تبعد الواحدة عن الأخرى مسافات بعيدة جدا ، خاصة رؤية هذا الرجل المريض الذي كان يملأ الوجود نشاطا متفاعلا ، متكلما ، أصبح قليل الكلام ، ساكنا ، يؤشر ويلمح بيديه ونظراته إذا أراد شيئا ، يحيى في غربة مؤلمة غربة الأهل والأصدقاء ، رحمة الله أرحم منا جميعا ، حينما قال في الحديث القدسي الراحمون يرحمهم الله ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، وقال أيضا : أنا الله وأنا الرحمن ، خلقت الرَّحِم ، وشققت لها من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها بتَتُّه . 
لماذا هذا البعد والجفاء من الأهل والأصدقاء وكل الكتب السماوية والأرضية والشرائع توصي بصلة الرحم والمحبة والود والتسامح والتعايش بأمان وسلام ونقاء وصفاء ..؟ هل هذه آثار ومخلفات الحروب والأزمات  التي يخلقها المتاجرون بالإنسانية وخراب النفس والروح والأرض والديار تركت على المجتمع ليبتلى بها ؟  هل بعدها يكون الإنسان أنانيا لا يرى أبعد من انفه ، أن يقطع صلة الرحم ويكون ملعونا أمام الله حينما قال سبحانه  : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم  . محمد 22 – 23  
وهل من مخلفات الحروب والفساد أن يقتل ويغتصب ويسرق الورث بحيل وألاعيب شيطانية ( حسبي الله ونعم الوكيل ، دائما وأبدا )، ويبني قصورا وسط بساتين ويكذب ويخدع وينافق ويزور الأوراق والمستندات الرسمية وشهود زور ليحصل على ما يريد ؟ يقتل الفكر يهدم أركان الثقافة والعلم يتباهى بأوراق وشهادات ورقية كارتونية بلا فعل واقعي على الأرض ، يتشبث بالمظاهر والقشور ، يتظاهر بحب الوطن ويحمل رايات وألوان الوطن ، هل أصبح الإنسان شبه إنسان أو أدنى من شبه إنسان ؟ أين الإنسانية ..؟ أين الرحمة ..؟ أين جوهر الأهل والًأصدقاء في هذه الرؤى الغير إنسانية ..؟ 
وحينما يموت الإنسان بعد صراع طويل مع المرض تمتلئ قاعة العزاء بالأغنياء والفقراء ويبدأ الحديث ليس عن الميت بل عن التجارة والربح والخسارة وعقد صفقات شفهية وتعاملات تواصلية وعن كل ما يخص الحياة ولا ذكر للموت إلا ما ندر وتكون قاعة العزاء مكانا مهما للقاء الأهل والأصدقاء بعد غربة طويلة ويبدأ العتاب الذي مجراه إنسانيا اجتماعيا في الظاهر ( والله مشاغل دنيا ) . ولو نظرت للوجوه لتساءلت  ما هذا النفاق والرياء ؟ أين كانوا قبل أن يرحل إلى منفاه الأخير ..؟ ولو كان الميت حاضرا في قاعة عزاءه لطرد أغلبهم .
هل يحتاج مجتمعنا إلى إعادة وجهة نظر إنسانية  وأخلاقية وفكرية واجتماعية ..؟ ألا يكفي ما نحن فيه من تقلبات سياسية ودمار علمي وتشتيت أخلاقي وخراب فكري وتغيير مكاني من تشريد وتهجير ونزوح ولجوء متشعب في دول العالم ..؟ 
أين المختصون في هذا الأمر المهم ونحن نمر في عالم متطور ومتغير في كل ثانية ؟ أين التعليم والتربية والسليمة في بناء المجتمع الذي عليه أن يواكب المجتمعات العالمية المعاصرة ..؟ أين العدل الاجتماعي في توزيع الثروات ورعاية وتوجيه وإرشاد المجتمع ..؟ أين السياسي المحنك الذي يحكم بالعدل أليس العدل أساس الملك ..؟ لماذا هذا الفساد الإداري والأخلاقي والتعليمي والعدلي والاقتصادي والسياسي الذي يعكس كل ما هو سلبي على المجتمع ..؟ لماذا تطبق بقوة مقولة ( أنا والطوفان بعدي ..) ولا تطبق بقوة ( خير الناس من نفع الناس ) ..؟ تجلى قول الإمام علي كرم الله وجهه ( لا تشكو للناس جرحا أنت صاحبه ، لا يألم الجرح إلا من به ألم )  وهي رسالة إنسانية للعالم أن يحسوا  يشعروا يهتموا بمن يتألم ويحيى مع الألم أي كان ذلك الألم جسديا فكريا نفسيا اجتماعيا ظاهريا أو مكنونا ، لماذا لا يكون حب الناس وحب الأرض والوطن وصلة الرحم والعدل قوية ومهمة في المناهج الدراسية الأولية .. لماذا .. لماذا .. لماذا .. أسئلة مشروعة تحتاج إلى دراسة وتأويل وتحليل وتطبيق ايجابي في كوامن المجتمع لكي ينهض من سبات عميق ونبتعد عن السلبيات الاجتماعية والفكرية والنفسية المدمرة ولكي لا يكون التواصل الاجتماعي على الفيسبوك ظاهري فقط بل تواصل حقيقي يكون فيه السمو والارتقاء وليس غربة حقيقية بين الأهل والأصدقاء .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف   لم يتعرّض شعب في تاريخه الحديث إلى التهميش والإجحاف والظلم بقدر ما تعرض له الشعب الكوردي عموماً والكورد الأيزيديون خصوصًا. فعلى مدار تاريخهم الطويل المجبول بالدماء والإنكسارات والقهر، تعرض الأيزيديون إلى العشرات من جرائم القتل العمد والتصفيات الجسدية، وحملات الإبادة الجماعية، إبتداءً مما سمي بالفتوحات على أيدي الغزاة الإسلاميين الأوائل، ومروراً بالعصرين الأموي والعباسي وما بعدهما، واستمر…

أكرم محمد تشهد الساحة السياسية الكردية السورية حالياً واحداً من أعنف السجالات الفكرية والسياسية، المتمحورة حول شخصية الدكتور عبد الحكيم بشار، القيادي التاريخي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وأول رئيس للمجلس الوطني الكردي. فالباحث في مسيرته يراه سياسياً أمضى عقوداً في خندق المعارضة الراديكالية ومطالباً بالفيدرالية من عواصم الاغتراب الأوروبية والإقليمية، لينتهي به المطاف اليوم جالساً تحت قبة مجلس الشعب في…

لوند حسين* في رسالته الموجهة إلى الكونفرانس الثالث لاتحاد البحوث الإسلامية في ميزوبوتاميا «MÎA-FED» باسم مؤتمر(الإسلام الديمقراطي) الذي انعقد بقاعة علي أميري بمدينة آمد (دبار بكر) يوم السبت 20 حزيران/يونيو 2026، يطرح عبد الله أوجلان رؤية تعتبر أن الديمقراطية متجذرة في جوهر الإسلام، وأن وثيقة المدينة «يثرب» تمثل أحد أوائل النماذج الديمقراطية في التاريخ، وأن الانحراف بدأ مع قيام الدولة…

شـــــريف علي دخلت العلاقات بين إقليم كوردستان وسوريا منذ تشكيل السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مرحلة إعادة تشكّل عميقة، انتقلت فيها من القطيعة والتوتر إلى انفتاح سياسي وتنسيق أمني وحوار كردي–سوري برعاية كوردستانية. سقوط النظام السابق في 8 كانون الاول 2024 فتح الباب أمام دمشق للبحث عن بوابات آمنة تعيد عبرها وصل ما انقطع، وكان الإقليم –…