و:(يسألونك عن الأنفال)

علي الجزيري
ciziri@gmail.com 


اعتاد النظام البائد في العراق قبل سقوطه بسنوات ، الإغتراف من تراث الإسلام والتمسح بردائه قدر المستطاع ، كما واظبت ماكنته الإعلامية ، على إنتاج ثقافة وظيفية ذات أهداف تعبوية ، ظناً بأنها بمثابة طوق النجاة .

إلا أن تماهي النظام بالاسلام ، لم يحقق أهدافه المتوخاة في ممانعة التغيير ، لأن حركة التاريخ تجاوزته أولاً ، ولأن الاسلام لم يكن من طبع النظام الذي خرج أصلاً من تحت عباءة أمثال ميشيل عفلق وأعوانه ثانياً ؛ بل كانت محاولته تلفيقية ، ومن قبيل ذر الرماد في العيون أو تعلق الغريق بالقشة ، بدليل أنه لم يستطع من خلال تلك الماكياجات ، التي استخدمها من حين لآخر ، أن يخفي قبح ممارساته على أرض الواقع ، والمقابر الجماعية تشهد على ما نقول .
ومضى صدام ينهل من قيم الدين الحنيف تارة ومن قيمه القبلية تارة أخرى ، كالهر ينفخ في صورة الأسد ، وبدأ يهتدي بالأنساق الثقافية المهيمنة منذ ( عمرو بن كلثوم ) ، وينشد بإعتباره حامي البوابة الشرقية :
                        لنا الدنيا ومن أمسى عليها           ونبطش حين نبطش قادرينـا
                        بغاة ظالمين وما ُظلمنـــــا           ولكنــــّـا سنبدأ  ظالميــــــــنا
    ومن المفارقات الساخرة ، إطلاقه لتسميات في غير موضعها بعد تجريدها من سياقها التاريخي ، فسمى حربه المجنونة ضد إيران ـ والتي دامت ثمانية أعوام ـ بالقادسية ، متناسياً كيف وقع بمحض إرادته إتفاقية التخاذل والإذعان عام 1976 في الجزائر، والتي تنازل فيها عن الحقوق العربية في عربستان ( الأحواز ) وشط العرب وجزر الطنب الكبرى والصغرى وأبي موسى ، كل ذلك بهدف القضاء على الثورة الكردية .
أما أم المهالك ( أعني إحتلاله للكويت ) فدعاها بأم المعارك .

وحملات الإبادة الجماعية ( الجينوسايد ) ضد الكرد ، والتي بلغ عدد المؤنفلين فيها /182 / ألفاً وعدد القرى التي دمرت عن بكرة أبيها 4500 قرية ، فأطلق عليها حملات ( الأنفال ) ، تيمناً بسورة الأنفال في القرآن ، تلك السورة التي تناولت أحكاماً تخص الأسرى والغنائم في أعقاب غزوة بدر .
ما أود قوله ، هو أن هذه الحقائق إنطلت على الكثيرين من اخوتنا العرب والمسلمين يومها ، رغم أن ذلك لايعفيهم من كامل المسؤولية عن صمتهم المزري إزاء ما ذكر ، أما الذين صفقوا له وانساقوا وراءه ، فقد ساهموا في صنع عرش الطاغية ، وبالتالي هم شركاء في الجرائم التي يندى لها الجبين .
واليوم (21 / 8 / 2006 ) يقف رأس النظام وستة من أعوانه في قفص الاتهام مذعورين ، كل منهم يدعي بأنه بريء ! ..

الإ أن الله يمهل ولا يهمل ، وما على الطغاة إلا أن يتأملوا بقولة ( عمر بن عبدالعزيز ) لأحد عماله ويتعظوا بها : ( أما بعد ، فقد أمكنتك القدرة من ظلم العباد ، فإذا هَمَمْت بظلم أحد ، فاذكر قدرة الله عليك ) .

 

   21 / 8 / 2006

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يُعدّ الشعب الكوردي من أقدم شعوب الشرق الأوسط وأكثرها تمسّكًا بأرضه وخصوصيته الثقافية. وعند التأمل في الديانة الإيزيدية ومقارنتها بعادات وتقاليد الكورد، تتضح صلةٌ عميقة تدل على أن كثيرًا من الملامح الإيزيدية ما تزال حاضرة في الشخصية الكوردية، رغم اعتناق أغلبية الكورد الإسلام عبر القرون. كان الكورد معروفين بصدقهم في القول، حتى أصبح يُقال عن الكلام الحق: “كلام…

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…