الموقف الروسي: تبا لمن لايعرف «قدره»

صلاح بدرالدين
 

   لم يعد خافيا على أحد مدى التمادي الروسي بالتورط بالمسألة السورية لجهة تقديم جميع أوجه الدعم لنظام الاستبداد بدمشق متفوقا بذلك حتى على الحليف الاقليمي جمهورية ايران الاسلامية وعلى المجاميع الميليشياوية الموالية في لبنان من شاكلة – حزب الله – و- حركة أمل –  الطائفيين فاضافة الى الدعم التسليحي السخي (أسلحة فتاكة – ذخائر – معدات – أجهزة ألكترونية متطورة لكشف وملاحقة الثوار …) والتي تصل تباعا عن طريق الجو وعبر ميناء طرطوس والتي ظهرت فاعليتها التدميرية وضحاياها البشرية في بابا عمرو ودرعا وحماة وادلب والحولة والقبير والحفة ودير الزور وتأثيراتها اليومية في اعتقال العشرات لتضاف الى عشرات الألوف من المخطوفين والمعتقلين والمشردين
 ليسجل كل ذلك علامات سوداء على جبين الطغمة المافيوية الحاكمة بموسكو المشاركة باالمسؤولية قانونيا وأخلاقيا في عملية ابادة السوريين والوقوف بوجه ارادة الشعب السوري التواق الى الحرية وثورته من أجل الكرامة والتغيير الديموقراطي مما قد تؤدي بها الى المساءلة القضائية أمام المحاكم الدولية والاستجواب أمام الحركات الديموقراطية لشعوب روسيا الاتحادية.

 ماسلف ذكره بمثابة تحصيل حاصل وترجمة عملية للموقف السياسي الروسي المناوىء لجميع ثورات الربيع العربي بمافيها الثورة السورية فالطغمة المافيوية الحاكمة الآتية من بقايا أجهزة القمع التجسسية للنظام الشمولي والمتحالفة مع أرباب الصناعات الحربية والطبقة المستغلة الجديدة التي ظهرت على أنقاض الاتحاد السوفيتي السابق عبر السطو على أموال الشعوب الروسية وتهريبها الى بنوك أوروربا وأمريكا لايمكن لتلك المجموعات المتحالفة الا وأن تكون الى جانب أنظمة القمع والاستبداد العائلية – الحزبية التي يمكن أن تعقد معها الصفقات التجارية والتسليحية على حساب السيادة ومصالح الشعب فقد وقف النظام الروسي منذ البداية على النقيض من موجات الانتفاضات الثورية في تونس ومصر بل وقف عائقا أمام أي قرار من مجلس الأمن لانقاذ الشعب الليبي مما اضطر المجتمع الدولي الى اتخاذ خطوات من خارج المجلس للتدخل لصالح الثورة الليبية ودحر نظام الاستبداد ولم يستند النظام في سياسته الخاطئة المضرة والمؤذية لقضايا تحرر الشعوب وتقدمها الى أية مسوغات منطقية أو أية أسباب مبدئية بل كان ومازال المنطلق: مصالح الطغمة الحاكمة والتنافس مع الغرب بالمقايضة على دماء شعوب المنطقة فعندما يزعم منظروا الطغمة على الفضائيات ووسائل الاعلام “أن روسيا دولة عظمى ولها مصالح ويجب أن تمارس دورا في رسم مصير المنطقة” يعني ذلك من دون أن يفصحوا علنا أن – دولتهم العظمى – ستمارس نفس دور الدولة الأعظم أي الولايات المتحدة الأمريكية خلال سنوات الحرب الباردة أي وضع العراقيل لخطط البعض حتى وان كان على حساب دماء عشرات الالاف من الضحايا كما يحصل الآن في بلادنا في حين أن السوريين ليسوا طرفا في نزاعات الدول على النفوذ بل أحوج مايكونون الى الدعم والمساندة من أجل الخلاص من الابادة والقمع والتدمير من جميع أطراف المجتمع الدولي والرأي العام والقوى المحبة للحرية والسلام .
 لقد ظهرت ليست الازدواجية فحسب في الموقف الروسي بل الانحياز الكامل لمصلحة النظام القاتل فمن جهة كان الروس يؤيدون علنا خطة المبعوث الدولي – العربي كوفي عنان ويتهمون أطرافا اقليمية ودولية وكذلك المعارضة السورية بالعمل على تقويض المبادرة ويعملون بالوقت ذاته على تمديد أمد الأزمة وكسب الوقت والعمل على صياغة خطة بديلة لمبادرة عنان بل تتناقض معها من حيث الأساس فاذا كانت المبادرة الدولية العربية تحمل ستة نقاط تبدأ بوقف اطلاق النار وسحب الجيش والأسلحة والآليات واطلاق سراح المعتقلين والسماح للاعلام الخارجي بحرية التنقل والسماح للتظاهرات السلمية وتنتهي بالنقطة الأخيرة وهي الحوار السياسي فان المبادرة الروسية الأخيرة حول المؤتمر الدولي بشأن سوريا التي سربتها وسائل الاعلام تغيب أساسا أي دور للشعب السوري والثورة والمعارضة بل تسلم مصير السوريين الى قوى خارجية من بينها ايران مثلا وتبدأ وتنتهي بالنقطة السادسة والأخيرة من خطة عنان وهي التفاهم والاتفاق مع النظام القائم عبر فرض قرار دولي بالضد من ارادة الشعب السوري على غرار قرارات عصبة الأمم المتحدة قبل أكثر من نصف قرن في رعاية شعوب العالم – القاصرة – وتدجينها وتأهيلها عبر الاستعمار والانتداب وفرض الأنظمة الدكتاتورية القمعية المستبدة في حين أن أنظمة حكم استبدادية مثل النظام الروسي أحوج ماتكون الى اعادة تأهيل وتثقيف من اجل قبول الديموقراطية والاستجابة لارادة شعوب روسيا في تقرير مصيرها والخلاص من شوفينية القومية السائدة .
  ان المشروع الروسي المسرب الى وسائل الاعلام ماهو الا الوجه القبيح لنهج القياصرة وتجسيدا لعقلية الحرب الباردة وعودة الى زمن تقسيم النفوذ بين الأقوياء ولايمت بصلة الى مناخ القرن الحادي والعشرين وعصر الانتفاضات والثورات من أجل الحرية والكرامة ومساواة الشعوب ومايهم نظام روسيا في المشروع هو جلوس ممثليه مع أقوياء العالم على طاولة واحدة لايهام الشعب الروسي بصدق نواياه وتجسيده لعظمة الموقع والتاريخ والحضارة ومستقبل  دور روسيا القادم في لعبة الأمم وبتجاهل كامل لمحنة السوريين وضحاياهم اليومية بالعشرات من دماء الأطفال والنساء والرجال.


شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بناءً على دعوة كريمة من فخامة الرئيس مسعود بارزاني، عقد وفد من هيئة رئاسة المجلس الوطني الكردي في سوريا لقاءً مع فخامته ، حيث جرى في هذا اللقاء تبادل وجهات النظر حول المستجدات الإقليمية والدولية، وبشكل خاص الأوضاع في سوريا بعد سقوط النظام السابق. وتم خلال اللقاء التأكيد على أهمية مشاركة الشعب الكردي في رسم مستقبل البلاد ، وضرورة وحدة…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* مثل العديد من الألعاب، تعتبر لعبة “الدومينو” لعبة مثيرة وهادفة تعكس حقيقة قاسية للبشر. عندما تبدأ، تنتهي. ربما يشير مصطلح “بداية النهاية” إلى هذا الأمر. إلا إذا كان هناك عامل يمكن أن يوقفها. عامل عادة ما يكون في يد مصممها! لكن هل هناك قائد في الشرق الأوسط يستطيع قلب الطاولة لصالحه؟ إن إطلاق شرارة لعبة الدومينو…

د. محمود عباس في لقائه الصحفي الأخير اليوم، وأثناء رده على سؤال أحد الصحفيين حول احتمالية سحب القوات الأمريكية من سوريا، كرر خطأ مشابهًا لأخطائه السابقة بشأن تاريخ الكورد والصراع الكوردي مع الأنظمة التركية. نأمل أن يقدّم له مستشاروه المعلومات الصحيحة عن تاريخ منطقة الشرق الأوسط، وخاصة تاريخ الأتراك والصراع بين الكورد والأنظمة التركية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. للأسف، لا…

إبراهيم اليوسف ليست القيادة مجرد امتياز يُمنح لشخص بعينه أو سلطة تُمارَس لفرض إرادة معينة، بل هي جوهر ديناميكي يتحرك في صميم التحولات الكبرى للمجتمعات. القائد الحقيقي لا ينتمي إلى ذاته بقدر ما ينتمي إلى قضيته، إذ يضع رؤيته فوق مصالحه، ويتجاوز قيود طبقته أو مركزه، ليصبح انعكاساً لتطلعات أوسع وشمولية تتخطى حدوده الفردية. لقد سطر…