الحنين القبلي في المجتمع الكوردي

شهاب عبدكي

برزت في الآونة الأخيرة ظاهرة الحنين إلى القبلية في المجتمع الكوردي كردِّ فعل على الانقسام السياسي, والتي بدأت تفقد بريقها المجتمعي في المناطق الكوردية, بسبب الخلافات الحزبية وكثرة الإطارات والتنسيقيات الموجودة على الساحة السياسية , والإقصاء السياسي من كل طرف للآخر بغية كسب عطف جماهيري وشعبي, وإبراز الذات الحزبية في وسائل الإعلام كفصيل مهم في الحالة الكوردية, مما جعل الشباب يعزفون عن التنظيمات السياسية باتجاه القبلية كملاذ أمن يحميهم من التوترات التي تحصل بين حين وآخر , كما أن النظام يحاول وبكل الوسائل تشجيع هذه العصبيات من خلال اللقاءات الدورية للعشائر, وفتح مجال إعلامي وسياسي لها , لتلعب دوراً في تقسيم المجتمع بين مؤيد ومعارض يكون حامله القبائل والعشائر , وتهميش دور الفعاليات السياسية و المدنية والتي تعبر عن تطور المجتمع من خلال أهداف وبرامج تخدم المجتمع بشكل عام وليس فئة معينة .
كان الامل أن الثورة في المناطق الكوردية له النموذج الخاص في التعاطي مع التحديات, وتكون للأحزاب الكلمة العليا في الأمور الاجتماعية والسياسية, وتكون سباقة في بناء أسس المجتمع المدني, ويكون للشباب دور مهم في بلورة هذه الفكرة, بحيث تبتعد قدر الامكان عن العصبيات القبلية التي تؤدي للتفرقة والعودة للجهل والتخلف.
يبدو أن الاحزاب لم تستطع أن تستوعب المرحلة وما هو مطلوب منها في المستقبل , بحيث تكون صمام الأمان في المناطق الكوردية , وتستفيد من أجواء الثورة والعلنية التي فرضت على النظام بفعل الثورة, بل عملت في الأنا الحزبية والتي تتمحور في الأنا الشخصية والتي لا تزال تعشش في العقلية الكوردية, ولم تتخلص من سلبياتها  في الحياة السياسية, وحتى نقف في وجه المد القبلي , علينا العمل  ضمن حالة سياسية متطورة , يكون الحوار الهادف عنوانه , وفي سبيل انجاح ذلك لابد من اقتراحات قد تلاقي من يقف معها.
1.

التعاون والحوار بين جميع الكتل السياسية في المناطق الكوردية ومناطق تواجد الكورد دون اقصاء أي طرف ,  بحيث تكون محل ارتياح من جميع الشرائح  وتكون مرجعية لكل مشاكلنا , ومانعاً رئيسياً لإحياء طقوس العصبيات القبلية  في المجتمع الكوردي , واستيعاب المرحلة وما يدور في الكواليس , والابتعاد عن  الحساسيات الحزبية.
2.

على الاحزاب عدم تشجيع تأسيس التنسيقيات الشبابية الحزبية , والعمل على سحب اعضائها من التنسيقيات الموجودة , لكي تعمل بحرية بعيدة عن اجندات حزبية وشخصية, لتنتج وضعاً سياسيّاً صحيّاً في المستقبل, وتكون نواة مجتمع مدني, وتشجيع ودعم النوادي الثقافية في المناطق الكوردية لإنجاح ذلك .
3.

الوقوف بجدية على كيفية  تشكيل المجالس السياسية , وإعطاء مكانة للفئة المثقــفة , كي تكون لها دور ايجابي في توعية المجتمع على أسس صحيحة.
4.

الشخصيات الوطنية عليها ان تكون داعمة لكل فعل سياسي وثقافي من شأنه تطوير المجتمع ,  ولا تبحث عن المجد على حساب المصلحة العامة.


5.

العمل على تشجيع الشركات المساهمة لتنمية الاقتصادية في المناطق الكوردية, وعلى كل من له الامكانية و ميسوري  الحال دعم هذه الفكرة, وتشجيع الشباب على التجارة ضمن أصول وتقاليد تجارية صحيحة , بحيث يشجع على الاختلاط الاقتصادي بين الشباب.
6.

على الاحزاب أن تبتعد قدر الامكان عن التحزب والأفق الضيق في حل مشاكل المجتمع لكسب النفوذ, واتخاذ اجراءات عملية في سبيل ذلك , وسد الطريق أمام الذين يشجعون على إحياء تقاليد القبلية  في مجتمعنا .
الخضوع للقبيلة والانتماء الأعمى لها ولقراراتها , ونصرة الأخ ظالماً أو مظلوما , وما ينطوي عليه من مفاهيم التخلف والجهل والانعزالية هي في غاية الخطورة على المجتمع , وإذا لم تحاول الاحزاب والشخصيات المهتمة في توعية المجتمع بتساوي مع المطالب السياسية لشعب الكوردي, ستكون من أكبر المشاكل التي تواجهنا في المستقبل , فتوظيف القبيلة لمصالح السياسة الحزبية  او توظيف السياسة لمصالح قبلية , هو استثمار خاطئ, ومن ثم ستتحول إلى مشكلة اجتماعية كبيرة , وقلق شديد للمهتمين في كيفية تطوير المجتمع  بما يخدم  المصلحة العامة للشعب الكوردي .
لا يمكن إنكار وجود العصبيات القبلية في مناطقنا  وتعدد الولاءات, إلا انها تقلصت في السنوات الاخيرة , أو كان هناك خجل التحدث عنها , نتيجة الاستقرار التنظيمي للأحزاب الكوردية على وضع سياسي معين , ولكنها بقيت موجودة في منطقة للاوعي , ولم نستطع  التحرر منها إلا بشكل جزئي , وإحياء هذه المظاهر من جديد هو تدهور حقيقي في بنية المجتمع الذي يتطلع للمدنية , بالتالي السيطرة عليها والعمل على تقويضها من المهام الاساسية لكل مهتم بالمصلحة العامة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…