غير مصنف

كوردستان خط أحمر.. لا لابتزاز المؤسسات ولا للعبث بإرادة الشعب

✍️ خالد حسو

إن ما تشهده الساحة السياسية في إقليم كوردستان من تصعيد في المواقف والتصريحات الصادرة عن بافل طالباني، رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، ولا سيما تهديداته بتشكيل مؤسسات موازية ورفضه نتائج المسار البرلماني، أمر يثير القلق والاستغراب، ويستدعي موقفاً وطنياً واضحاً ومسؤولاً.

فالمؤسسات الدستورية ليست ملكاً لحزب أو شخص، وإرادة الشعب ليست ورقة تفاوضية في الصراعات الحزبية. ومن غير المقبول أن تتحول الخلافات السياسية إلى تهديد لوحدة الإقليم ومؤسساته ومكتسباته، أو أن يجري التعامل مع نتائج الانتخابات وكأنها تُقبل عندما تخدم المصالح الحزبية وتُرفض عندما لا تتوافق معها.

لقد عبّر شعب كوردستان عن إرادته من خلال صناديق الاقتراع في انتخابات برلمان الإقليم بتاريخ 20 تشرين الأول 2024، وحصل الحزب الديمقراطي الكوردستاني على 39 مقعداً، فيما حصل الاتحاد الوطني الكوردستاني على 23 مقعداً. وهذه النتائج يجب أن تُحترم بوصفها تعبيراً عن الإرادة الانتخابية، لا أن تتحول إلى مادة للتهديد أو الابتزاز السياسي.

ومن حق أي حزب أن يعارض، وأن ينتقد، وأن يطالب بحصته السياسية، وأن يمارس دوره في المعارضة، لكن ليس من حقه تعطيل المؤسسات أو التهديد بإنشاء مؤسسات موازية، لأن ذلك يفتح الباب أمام إعادة تجربة الإدارتين والانقسام، وهي تجربة دفع شعب كوردستان ثمناً باهظاً بسببها.

وليس من حق بافل طالباني، ولا من حق أي حزب سياسي، أن يتصرف وكأنه صاحب القرار في مصير محافظة السليمانية أو مستقبلها، أو أن يلوّح بفصلها عن إقليم كوردستان وكأنها ملكية حزبية خاصة. فالسليمانية جزء أصيل لا يتجزأ من إقليم كوردستان، وتاريخها ونضالات أبنائها وتضحياتهم جزء من التاريخ الوطني الكوردستاني. ولا يملك بافل طالباني أو حزبه صلاحية اتخاذ قرار أحادي بشأن مستقبلها أو تغيير وضعها الدستوري والإداري بمعزل عن إرادة سكانها، ووفقاً للإجراءات الدستورية والقانونية. فمصير المدن والمحافظات لا يُحسم بالتهديدات أو المساومات السياسية، ولا يُستخدم ورقةً في الصراعات الحزبية، بل يُصان باحترام الدستور والقانون وإرادة الشعب.

إن إقليم كوردستان ليس مكسباً حزبياً عابراً، بل هو ثمرة عقود طويلة من النضال والتضحيات والدماء، وقد ساهمت أجيال من المناضلين والشهداء في بناء مؤسساته وترسيخ مكانته الدستورية والسياسية. ومن واجبنا جميعاً أن نحافظ على هذه المكتسبات، وألا نسمح للخلافات الحزبية بأن تعيدنا إلى مراحل الانقسام والتشرذم.

ولا يمكن الحديث عن تاريخ الحركة التحررية الكوردستانية دون التوقف باحترام أمام الدور التاريخي الكبير للملا مصطفى البارزاني، الذي كرّس حياته للنضال من أجل حرية الشعب الكوردي وحقوقه القومية، وأصبح اسمه جزءاً من ذاكرة النضال الكوردستاني. كما لا يمكن إنكار الدور الذي أدّاه الرئيس مسعود بارزاني في حماية المكتسبات القومية والدستورية، وتعزيز مكانة إقليم كوردستان والدفاع عن حقوق شعبه في العراق والمنطقة.

إن الاختلاف مع بافل طالباني أو انتقاد مواقفه لا يعني إنكار تاريخ الاتحاد الوطني الكوردستاني أو تضحيات مناضليه، فالتاريخ ملك لشعب كوردستان بكل أبنائه، وليس حكراً على حزب أو جهة. لكن احترام التاريخ لا يعني منح الحصانة لأي قيادة سياسية، ولا يعني السكوت عن مواقف قد تضر بوحدة الصف والمؤسسات والمستقبل الكوردستاني.

إنني أرى أن المسؤولية الوطنية تقتضي من جميع القوى السياسية أن تتعامل مع خلافاتها بعقلانية وحكمة، وأن تضع مصلحة كوردستان فوق الحسابات الحزبية والشخصية. فالتاريخ لن يرحم من يضع مصالحه الضيقة فوق مصلحة شعبه، ولن تكون الانقسامات يوماً طريقاً إلى القوة أو الاستقرار.

كوردستان ليست ملكاً لبافل طالباني، ولا للحزب الديمقراطي الكوردستاني، ولا للاتحاد الوطني الكوردستاني، ولا لأي حزب آخر؛ إنها وطن شعبٍ قدّم التضحيات من أجل حريته وكرامته وحقوقه. ومؤسساتها يجب أن تبقى فوق التجاذبات، ودستورها مرجعاً للجميع، وإرادة شعبها هي الأساس في تقرير مستقبلها.

إن الصمت عن الأخطاء ليس حكمة، والتصفيق للمواقف الانقسامية ليس وفاءً، والولاء الحقيقي يكون لكوردستان وشعبها وقضيتها، لا للأشخاص والمصالح الحزبية.

ومن واجب الكورد والمخلصين والأوفياء لقضيتهم الوطنية أن يحموا مؤسساتها ودستورها ومكتسباتها، وأن يصونوا إرادة شعبها وتضحيات أجيالها، وألا يسمحوا بتحويل خلافات السياسيين إلى تهديد لمستقبل وطن بأكمله.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى