حسن قاسم
من حق أي حزب سياسي أن يتبنى المرجعية الفكرية التي يراها مناسبة لمشروعه السياسي، لكن هل يكفي أن يرفع حزب ما شعار الماركسية اللينينية لكي يصبح ماركسياً لينينياً؟ أم أن المعيار الحقيقي هو مدى انسجام ممارساته السياسية والتنظيمية مع المبادئ الفكرية التي يدّعي الالتزام بها؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة عند تناول تجربة حزب العمال الكوردستاني (PKK)، الذي تأسس عام 1978 معلناً تبنيه الماركسية اللينينية، ورافعاً شعارات التحرر القومي والعدالة الاجتماعية والصراع الطبقي، ومتبنياً مشروع إقامة دولة كوردية مستقلة.
لكن مراجعة مسيرة الحزب منذ نشأته تطرح تساؤلات جدية حول مدى التزامه الفعلي بهذه المرجعية، وما إذا كانت الماركسية اللينينية بالنسبة إليه منهجاً فكرياً وسياسياً متكاملاً، أم مجرد غطاء أيديولوجي لنهج تنظيمي وعسكري خاص.
فالماركسية ليست مجرد شعارات عن الثورة والتحرر والعدالة الاجتماعية، وإنما منهج علمي نقدي لتحليل المجتمع والاقتصاد والعلاقات الطبقية، يقوم على فهم التناقضات الاجتماعية والعمل على تغيير شروط الاستغلال. كما أن اللينينية، رغم تبنيها الحزب الطليعي والثورة، لا تختزل الفكر الماركسي في العنف المسلح أو في تقديس القيادة وإلغاء الاختلاف.
ومن هنا ينبغي التمييز بين الثورة باعتبارها مفهوماً في الفكر السياسي، وبين تحويل العنف إلى استراتيجية دائمة، وبين الانضباط الحزبي باعتباره ضرورة تنظيمية، وبين إخضاع الإرادة الفردية والجماعية لقيادة مركزية لا تقبل المراجعة.
إن إحدى الإشكاليات التي تستحق البحث في تجربة حزب العمال هي طبيعة العلاقة بين القيادة والتنظيم، ولا سيما المكانة الاستثنائية التي احتلها عبد الله أوجلان في بنية الحزب الفكرية والتنظيمية. فإلى أي مدى استطاع الحزب تكريس ثقافة النقد والاختلاف والمراجعة الداخلية؟ وهل بقيت الماركسية مرجعية قابلة للنقاش والتطوير، أم تحولت تدريجياً إلى خطاب تنظيمي مرتبط بتصورات القيادة؟
ولعل التحول الأبرز الذي يكشف الابتعاد عن المرجعية الأولى هو انتقال الحزب من الماركسية اللينينية ومشروع الدولة القومية المستقلة إلى تبني مفهوم الكونفدرالية الديمقراطية، الذي طرحه أوجلان، بما يتضمنه من أفكار حول الإدارة الذاتية والمجتمعات المحلية والبيئة وتحرر المرأة. وهذا التحول لا يمثل مجرد تعديل تكتيكي، بل مراجعة جوهرية للمنطلقات الفكرية والسياسية التي تأسس عليها الحزب.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل ما زال الحزب ماركسياً لينينياً بالمعنى الفكري والسياسي المعروف، أم أنه انتقل إلى منظومة أيديولوجية أخرى، مع احتفاظه ببعض المفردات والمصطلحات الماركسية؟
وللمقارنة التاريخية، يمكن استحضار تجربة الخمير الحمر بقيادة بول بوت في كمبوديا، الذين رفعوا أيضاً شعارات ماركسية وثورية، لكن ممارساتهم انتهت إلى نموذج شمولي كارثي. ولا يعني ذلك مساواة التجربتين، بل التأكيد أن الشعارات الأيديولوجية لا تكفي للحكم على حقيقة أي تجربة؛ فالممارسة هي المحك.
وبعد نحو 47 عاماً من تأسيس الحزب، وأكثر من أربعة عقود من الصراع المسلح مع الدولة التركية، وما خلفه النزاع من عشرات الآلاف من الضحايا، نجد الحزب اليوم أمام تحول جديد يتمثل في إنهاء الكفاح المسلح والتوجه نحو الحل السياسي والاندماج الديمقراطي.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: كيف لتنظيم جعل من الثورة المسلحة وسيلة أساسية لتحقيق أهدافه أن يصل بعد كل هذه السنوات إلى قناعة بضرورة الحوار والتسوية السياسية؟ وهل تمثل هذه المرحلة اعترافاً ضمنياً بمحدودية الخيارات السابقة، أم مراجعة فكرية شاملة لتجربة امتدت لعقود؟
إن القضية الكوردية أكبر من حزب العمال الكوردستاني، كما أنها أكبر من الكونفدرالية الديمقراطية وسائر الأيديولوجيات. فهي قضية شعب له الحق في الحرية والكرامة وتقرير المصير، ولا يجوز اختزالها في مرجعية فكرية واحدة أو قيادة سياسية بعينها.
وفي الختام، فإن الوفاء لأي فكر لا يكون بترديد شعاراته، بل بمدى الالتزام بمناهجه ومبادئه، والقدرة على مراجعة الممارسة وتصحيح الأخطاء. فهل كان حزب العمال الكوردستاني ماركسياً لينينياً في ممارساته، أم أنه استخدم الماركسية في مرحلة التأسيس، ثم انتقل إلى مشروع أيديولوجي مختلف تماماً؟
ذلك سؤال مشروع، والإجابة عنه لا تحتاج إلى الولاء الحزبي أو الخصومة السياسية، بقدر ما تحتاج إلى قراءة نقدية موضوعية للتاريخ والفكر والممارسة.





