زمن العكارة والسراب.. قراءة في المرحلة الانتقالية بين نهاية القرن العشرين وبداية العصر الرقمي
بقلم الكاتب
خوشناف سليمان
لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية لقوة عظمى بل بداية لمرحلة تاريخية جديدة أعادت تشكيل النظام العالمي. فقد جاءت مرحلة البيريسترويكا والإصلاحات السياسية والاقتصادية اللاحقة في سياق البحث عن مخرج من أزمات داخلية عميقة كانت تعصف بالنظام لكنها أسهمت بشكل أو بآخر في إنهاء النظام نفسه وفتحت الباب أمام عالم مختلف في توازناته وأدوات وخرائط نفوذه.
مع انتهاء الحرب الباردة، لم تتوقف المنافسة بين القوى الكبرى، لكنها بدأت تتخذ أشكالًا جديدة. فقد تراجعت الحروب التقليدية بوصفها الوسيلة الوحيدة لفرض النفوذ وازدادت أهمية الاقتصاد، والإعلام. والتكنولوجيا. و أسواق المال، والاتصال الرقمي، والقدرة على التأثير في الرأي العام. وأصبح النفوذ يقاس بامتلاك المعرفة والبيانات، وبالقدرة على الابتكار والتحكم في شبكات الاقتصاد العالمي، إلى جانب القوة العسكرية التي بقيت عاملًا مهمًا دون أن تكون الأداة الوحيدة.
ومن هنا سأطرح مفهومًا جديداً أسميه “زمن العكارة والسراب”.
لا أقصد بالعكارة الفوضى بمعناها البسيط، وإنما الحالة التي تختلط فيها الحدود بين الحقيقة والصورة، بين الواقع والانطباع، وبين القوة الحقيقية والقوة المصنوعة. إنها المرحلة التي تصبح فيها الرؤية ضبابية، ويعيش فيها الإنسان وسط كم هائل من المعلومات يصعب معه التمييز بين الصحيح والمضلل.
أما السراب فهو حالة الوهم الجماعي التي قد تصنعها التكنولوجيا والإعلام والثقافة الرقمية بحيث يبدو كل شيء قريب المنال، بينما تزداد الفجوة بين امتلاك الأدوات وامتلاك القدرة الحقيقية على توجيهها.
أصبح الإنسان يشعر بأنه يمتلك العالم بين يديه، لكنه في كثير من الأحيان لا يمتلك سوى واجهة رقمية تمنحه إحساسًا خادعاً بالقوة أكثر مما تمنحه القوة نفسها.
لقد غيرت هذه المرحلة كثيرًا من المسارات التي بنت عليها المجتمعات أنظمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالقيم التقليدية التي كانت تتشكل عبر الأسرة والمدرسة. والمؤسسات الثقافية أصبحت تنافسها منصات رقمية عابرة للحدود تملك قدرة هائلة على التأثير في الأفكار والسلوك وأنماط الحياة.
ولم تعد السلطة تقتصر على الحكومات وحدها بل أصبحت الشركات التقنية الكبرى. وشبكات الإعلام العالمية، والمؤسسات المالية. والجهات المنتجة للمعرفة الرقمية أطرافًا مؤثرة في صياغة المشهد العالمي. وهذا لا يعني أن دولة أو جهة واحدة تتحكم بالعالم. بل إن مراكز التأثير أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وأصبح النفوذ موزعًا بين قوى متعددة تتنافس وتتعاون فيما بينها في الوقت نفسه.
ومن أبرز مظاهر هذا العصر أن الإنسان أصبح يجد إجابات جاهزة لمعظم أسئلته. فالذكاء الاصطناعي ومحركات البحث والمنصات الرقمية باتت تقدم حلولًا سريعة في مختلف مجالات الحياة. وهذا تطور يحمل فوائد هائلة لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا : هل يؤدي الاعتماد المتزايد على العقل الاصطناعي إلى تقليص مساحة الاجتهاد العقلي لدى الإنسان أم أنه مجرد أداة توسع قدراته وتمنحه إمكانات جديدة؟
ليس لهذا السؤال إجابة نهائية حتى الآن لكنه يعكس جوهر ( زمن العكارة والسراب) الذي ألمحنا إليه بحيث يصبح من الصعب الفصل بين ما هو امتداد للعقل البشري وما هو بديل عنه.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس التكنولوجيا نفسها. بل احتمال أن يفقد الإنسان قدرته على النقد والتمييز وأن يتحول من صانع للمعرفة إلى مجرد مستهلك لها فحين تصبح الخوارزميات هي التي تقترح ما نقرأ وما نشاهد وما نشتري وربما ما نؤمن به يصبح البحث في موضوعة حرية الإرادة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
قد يكون ( زمن العكارة والسراب) مرحلة انتقالية تسبق استقرارًا حضاريًا جديدًا كما شهد التاريخ من قبل مراحل انتقال مماثلة بعد اختراع الطباعة أو الثورة الصناعية وقد يكون بداية لنمط جديد من الحضارة يعيد تعريف الإنسان، والعمل والتعليم و السياسة. والاقتصاد.
لا أقدم هذا المفهوم باعتباره حقيقة تاريخية نهائية بل باعتباره محاولة لقراءة عصر تتداخل فيه الحقائق مع الصور والوقائع مع السرديات والإنسان مع الآلة. وربما يكون أهم ما نحتاج إليه في هذا الزمن ليس المزيد من المعلومات بل المزيد من القدرة على التمييز بين الحقيقة والسراب وبين الزلال والعكر.