م. أحمد زيبار
سوريا الجديدة واختبار بناء الدولة على أساس الشراكة
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، لم يعد التحدي في سوريا مقتصراً على تحديد الجهة التي تحكم دمشق، بل بات مرتبطاً بطبيعة الدولة الجديدة وقدرتها على صياغة عقد وطني يستوعب مكوناتها القومية والثقافية والسياسية، على أساس المساواة والمشاركة في صنع القرار. وفي قلب هذا الاختبار، تبرز القضية الكردية بوصفها أحد الملفات الحاسمة في تحديد مستقبل سوريا ووحدتها واستقرارها. فنجاح الدولة الجديدة لا يُقاس بمجرد توحيد المؤسسات وبسط سلطتها على الأراضي السورية، بل بقدرتها على إقامة علاقة سياسية ودستورية عادلة مع الشعب الكردي، تضمن حقوقه القومية والثقافية واللغوية، وتمثيله في مؤسسات الدولة، ومشاركته في صياغة الدستور والقرارات الوطنية، إلى جانب ترتيبات واضحة للإدارة المحلية. ولا يكفي الاعتراف باللغة الكردية، أو إصدار مراسيم تتعلق بالحقوق، أو إسناد بعض المناصب إلى شخصيات كردية، لبناء شراكة مستدامة ما لم يصاحب ذلك تحول حقيقي في بنية الدولة وآليات اتخاذ القرار وتوزيع الصلاحيات. فالشراكة ليست منحة من السلطة، بل أساس دستوري وسياسي يضمن مشاركة مكونات المجتمع في إدارة الدولة وصياغة مستقبلها.
وتواجه دمشق فرصة تاريخية لإثبات أن وحدة سوريا لا تعني فرض نموذج مركزي واحد على مجتمع متعدد القوميات والثقافات، وأن الحفاظ على السيادة ووحدة الأراضي يتكامل مع الاعتراف بالتنوع وضمان الحقوق وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية. وإذا نجحت سوريا في بناء هذا النموذج، فقد تقدم تجربة مختلفة في منطقة طالما ارتبطت فيها وحدة الدولة بمركزية السلطة وتهميش المطالب القومية. أما إذا اقتصر المسار على دمج المؤسسات وإنهاء أشكال الحكم القائمة في المناطق الكردية، من دون تسوية سياسية ودستورية تحدد الحقوق والصلاحيات بالتوافق، فقد تنجح الدولة في توحيد سلطتها إدارياً، لكنها ستُبقي أسباب النزاع قائمة.
الشعب الكردي وحق تقرير المصير بين الشراكة والاستقلال
تُعد القضية الكردية من أبرز القضايا القومية في الشرق الأوسط، إذ يتوزع الشعب الكردي بصورة رئيسية بين سوريا وتركيا والعراق وإيران، وتختلف أوضاعه السياسية والقانونية من دولة إلى أخرى. وتتباين الرؤى الكردية بشأن المستقبل؛ فهناك من يدعو إلى ضمان الحقوق ضمن الدولة القائمة، ومن يطالب بالحكم الذاتي أو النظام الاتحادي، ومن يرى الاستقلال هدفاً سياسياً مشروعاً. لذلك، لا يصح التعامل مع الأكراد باعتبارهم كتلة سياسية متجانسة أو افتراض اتفاقهم على شكل واحد للدولة وعلاقتهم بالحكومات المركزية. لكن تعدد الرؤى لا ينتقص من جوهر القضية: حق الأكراد في التمتع بحقوقهم القومية والثقافية والسياسية، والمشاركة في إدارة شؤون الدول التي يعيشون فيها، وتحديد مستقبلهم السياسي بحرية بعيداً عن الإكراه والإقصاء. ولا يعني حق تقرير المصير بالضرورة الانفصال أو إقامة دولة مستقلة؛ فقد يتحقق من خلال دولة ديمقراطية متعددة القوميات، أو نظام اتحادي، أو حكم ذاتي دستوري، أو ترتيبات أخرى تضمن الحقوق والمشاركة وتستند إلى إرادة السكان المعنيين. وفي المقابل، لا ينبغي استبعاد خيار الاستقلال لمجرد تعارضه مع الحدود القائمة، كما لا يصح اعتباره نتيجة حتمية. فهو أحد الخيارات التي قد تتبناها بعض القوى الكردية إذا انسدت سبل التسوية العادلة، غير أن تحققه يرتبط بإرادة السكان والظروف السياسية والقانونية ومواقف الدول المعنية والتوازنات الإقليمية والدولية. وتُظهر تجارب المنطقة أن تجاهل القضايا القومية لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها، بل قد يدفع المطالب من السعي إلى إصلاح العلاقة مع الدولة إلى المطالبة بتغيير طبيعتها أو شكلها السياسي. لذلك، لا يكمن التحدي أمام حكومات المنطقة في منع الأكراد من طرح مطالبهم، بل في بناء دول يشعرون فيها بأنهم شركاء متساوون، وأن حقوقهم مضمونة دستورياً وليست رهينة لمزاج السلطة أو لتغير موازين القوى.
سوريا وتركيا والعراق وإيران: وحدة الدول بين الأمن والعدالة
تواجه الدول الأربع سؤالاً استراتيجياً مشتركاً: هل يمكن ضمان الاستقرار طويل الأمد من دون معالجة القضية الكردية على أساس الاعتراف بالحقوق والمشاركة السياسية؟ تُظهر تجارب المنطقة أن اختزال المطالب القومية في بعدها الأمني قد يقود إلى دوامة من المواجهة والاحتواء والتمرد والتدخلات الخارجية. فالإجراءات الأمنية قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور الأزمة ولا تعوض غياب التمثيل السياسي والضمانات الدستورية والثقة بين الدولة ومواطنيها. ولا يعني الاعتراف بحقوق الأكراد أن تتبنى الدول الأربع نموذجاً دستورياً واحداً؛ فلكل دولة خصوصيتها، وللأكراد في كل منها ظروفهم وتطلعاتهم. لكن الحلول المستدامة تتطلب الاعتراف بالهوية والحقوق، وضمان المشاركة السياسية، وإقرار ترتيبات متوافق عليها لإدارة الشؤون المحلية، بما يتيح بناء شراكة متكافئة تراعي حقوق جميع المواطنين وتطلعاتهم. وتكمن المفارقة في أن السياسات المعتمدة باسم حماية وحدة الدولة قد تقوّضها إذا استندت إلى الإقصاء. فتماسك الدول لا يُقاس فقط بمدى سيطرة السلطة المركزية على الأرض، بل أيضاً بثقة المواطنين بمؤسساتها وشعورهم بأنهم شركاء في تقرير مستقبلها. فالدفاع عن الحدود لا يغني عن معالجة أسباب التوتر داخلها؛ إذ إن العدالة السياسية والاعتراف بالتعدد يعززان شرعية الدولة ويحدان من النزاعات الداخلية.
وحدة الدول لا تُصان بإنكار الحقوق، بل بالشراكة
يطرح مستقبل سوريا والقضية الكردية سؤالاً يتجاوز حدود الدول الأربع: هل يمكن بناء دول مستقرة من دون الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والسياسي في مجتمعاتها؟ إن تجاهل المطالب القومية لا يلغيها، كما أن المعالجة الأمنية وحدها لا تضمن الاستقرار. وقد يؤدي استمرار الإقصاء وغياب الضمانات إلى انتقال المطالب من السعي إلى نيل الحقوق والمشاركة داخل الدولة إلى المطالبة بتغيير طبيعة العلاقة معها أو شكلها السياسي. وعندها، قد تتسع فرص التدخل الخارجي، وتجد القوى الإقليمية والدولية مجالاً أوسع لاستثمار الأزمات وتعزيز نفوذها. وقد تستفيد إسرائيل من الانقسامات التي تضعف خصومها، كما قد تتقاطع بعض نتائج هذه التحولات مع حسابات أميركية أوسع، لكن ذلك لا يثبت وجود مشروع مشترك محسوم لتقسيم دول المنطقة. والأهم أن مستقبل الشعب الكردي لا ينبغي اختزاله في حسابات القوى الخارجية، بل يجب أن يُبحث انطلاقاً من حقوقه وإرادته السياسية.
إن القضية الكردية ليست تهديداً حتمياً لوحدة الدول، كما أن الاعتراف بالحقوق لا يعني بالضرورة الانفصال. بل إن التسوية العادلة، القائمة على الضمانات الدستورية والمشاركة الفعلية، قد تكون الطريق الأكثر واقعية لتعزيز شرعية الدولة وحماية وحدتها. فإما أن تجمعنا شراكة حقيقية تقوم على الاختيار الحر والمصالح المشتركة، وإما أن نكون جيراناً تربطنا علاقات حسن الجوار والاحترام المتبادل لخيارات الشعوب. إن العقلية السياسية السائدة في كثير من دول الشرق الأوسط، القائمة على الإقصاء وإنكار الحقوق، لا تحافظ على وحدة الدول بقدر ما تهيئ الظروف لتفككها، وتسهم، عن قصد أو من دونه، في إنجاح السياسات الرامية إلى تقسيمها وإعادة رسم الخرائط في شرقنا المتوسط.
فهل تختار دول المنطقة معالجة القضية الكردية عبر تسويات عادلة تجدد عقدها السياسي مع شعوبها، أم تستمر في إنكار الحقوق وتأجيل الحلول، تاركة أزماتها مفتوحة أمام التدخلات الخارجية وصراعات النفوذ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل القضية الكردية وحدها، بل ستسهم في رسم ملامح الدولة الوطنية في الشرق الأوسط: دولة تستمد قوتها من شرعية مؤسساتها وثقة مواطنيها، أم سلطة تتمسك بالحدود فيما تتآكل داخلها أسس الوحدة والاستقرار.
بريمن – 26.10.2026





