عدنان بدرالدين
غادرت قوات التحالف الدولي العراق، لكن الأسئلة التي رافقت وجودها بقيت مفتوحة. بالنسبة إلى إقليم كردستان، يتجاوز الأمر انتهاء مهمة عسكرية لمكافحة تنظيم داعش. فهو يتعلق بمستقبل ترتيبات أمنية أسهمت، بدرجات متفاوتة، في حماية الإقليم، وبقدرة المؤسسات العراقية على تعويض ما غادر من وسائل دفاع واستطلاع وإسناد.
أكدت وزارة الدفاع البريطانية، في بيانها الصادر في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026، انتهاء مهمة التحالف ومغادرة قواته، مع استمرار التوجه إلى شراكة دفاعية ثنائية مع العراق. وهكذا أصبح الانتقال واقعًا معلنًا، بينما بقيت كفاية الترتيبات اللاحقة موضوعًا للاختبار.
في قراءتنا السابقة للمواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، كانت الفكرة الأساسية أن القدرة على إلحاق الخسائر لا تضمن الوصول إلى نتيجة سياسية مستقرة. وينطبق جانب من هذه المعادلة على موقع الإقليم الكردي: فقد يستمر الصراع الإقليمي دون حرب شاملة أو تسوية نهائية، بينما تتحمل المناطق الواقعة على تماس معه كلفة اقتصادية وأمنية متكررة.
لذلك، لا يبدأ البحث في مستقبل كردستان بسؤال الجهة التي سترث الموقع الأمريكي، بل بتحديد الوظائف التي يحتاج إليها الإقليم، والجهات القادرة على أدائها، ومدى إمكان الاعتماد عليها عند وقوع الأزمة.
قلق بارزاني ومعنى الحماية
عبّر رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، مسرور بارزاني، في مقابلته مع «فايننشال تايمز» أواخر أيلول/سبتمبر، عن قلق واضح من مغادرة القوات دون توفير دفاع مناسب للإقليم. وأصدر مكتبه لاحقًا توضيحًا اعترض فيه على بعض صيغ التقرير وتفسيراته. وقد أبقى التوضيح على جوهر المخاوف الأمنية، مع تأكيد الحرص على استمرار الشراكة مع واشنطن.
تكشف هذه المخاوف عن مسافة بين نوعين من القدرة العسكرية. تستطيع قوات برية أن تواجه خلايا مسلحة، وتحمي طرقًا ومناطق، وتنفذ عمليات مشتركة، لكنها تحتاج إلى وسائل مختلفة لمواجهة الصواريخ والمسيّرات. والتقدم في مكافحة داعش لا يثبت، بذاته، امتلاك دفاع جوي كافٍ لحماية المدن ومنشآت الطاقة.
كذلك لم يكن الانتشار الأمريكي ضمانًا شاملًا لأمن الإقليم. فقد وفر حماية لبعض المواقع، وقدرات على الرصد والاعتراض، ورفع الكلفة المحتملة لاستهداف منشآت تضم أمريكيين. لكن هذه الوظائف لا تساوي التزامًا بالدفاع عن كل موقع أو التدخل في كل نزاع.
من هنا يمكن فهم قلق القيادة الكردستانية باعتباره اعتراضًا على ترتيب الانتقال: هل أُنجزت المغادرة قبل توفير بديل لبعض القدرات الضرورية؟ وتحتاج الإجابة إلى معلومات عن المنظومات والترتيبات الجديدة، تتجاوز التطمينات السياسية العامة.
الاقتصاد في قلب المسألة الأمنية
تظهر خطورة الهجمات في قدرتها على تعطيل الحياة الاقتصادية دون الحاجة إلى احتلال أرض أو خوض معركة واسعة. ففي تموز/يوليو 2025 أعلنت شركة «دي إن أو» تعليق العمليات مؤقتًا في امتياز طاوكي بعد انفجارات أصابت خزانًا وتجهيزات معالجة. ويقدم ذلك مثالًا على انتقال الضرر من المنشأة إلى الإنتاج.
أما الآثار الأوسع فتتوقف على مدة التعطل وحجمه: انخفاض الإيرادات، وتأخير المستحقات، وارتفاع نفقات الإصلاح والحماية، وربما إعادة النظر في توقيت الاستثمارات. وقد تتعافى المنشأة أسرع مما تتعافى ثقة المستثمر في انتظام عملها.
لهذا يحمل أمن الطاقة معنى أوسع من حماية الشركات. إنه يتصل بالكهرباء والدخل العام والوظائف وقدرة الحكومة على تمويل الخدمات. وفي اقتصاد تتشابك فيه الموارد المحلية والتحويلات الاتحادية، يمكن لتعطل محدود أن يتفاعل مع خلاف مالي قائم، فيضاعف أثره على السكان.
تلك إحدى أهم نتائج المواجهة الإقليمية: تستطيع الضغوط المتكررة أن تضيّق خيارات الإقليم تدريجيًا، حتى عندما لا تبلغ حد تهديد بقائه أو تعطيل مؤسساته.
بغداد وأربيل: الحماية في ظل أزمة الثقة
لا تنشأ أزمة الثقة بين بغداد وأربيل من الانسحاب الأمريكي. فهي ترتبط بخلافات قديمة على الموارد والصلاحيات والمناطق المتنازع عليها، وبخبرة متراكمة من الاتفاقات التي اختلف الطرفان على تنفيذها. لكن تراجع الحضور الخارجي يمنح هذه الأزمة بُعدًا أكثر إلحاحًا، لأن حماية الإقليم تصبح أشد اعتمادًا على تعاون لا يطمئن الطرفان تمامًا إلى استمراره.
وتتجاوز المشكلة، في نظر قيادة الإقليم، الخشية من تعطل التعاون مستقبلًا. فقد اشتكى مسرور بارزاني من القيود التي تحول دون حصول الإقليم على أسلحة مناسبة لمواجهة الصواريخ والمسيّرات، موضحًا أن اقتناء منظومات الدفاع الجوي يمر عبر الحكومة الاتحادية. ومن منظور أربيل، يضعها ذلك أمام مأزق: فهي تحتاج إلى موافقة المركز للحصول على وسائل حماية، بينما تشك في استعداده لتسهيل وصولها بالسرعة والشروط المناسبتين.
ولا تكفي هذه التصريحات وحدها لإثبات دوافع كل تأخير أو تحديد المسؤولية عن كل طلب تعثر. لكنها تكشف أن الخلاف يتعلق بمن يملك إتاحة وسائل الحماية، وبمدى اطمئنان الإقليم إلى استخدام هذه الصلاحية لتلبية احتياجاته الأمنية. وإذا ظلت أسباب التأخير وإجراءات الموافقة غير واضحة، يصبح من الصعب الفصل بين المتطلبات التنظيمية والخلاف السياسي.
ولبغداد مسؤوليات في تنظيم التسليح وتنسيق الدفاع عن البلاد. غير أن ممارسة هذه المسؤوليات تقتضي مسارًا واضحًا يتيح تلبية الاحتياجات الدفاعية للإقليم، ويحدد أسباب الرفض أو التأخير وبدائل الحماية خلال فترة الانتظار. وفي المقابل، تحتاج أربيل إلى تقديم ضمانات مؤسسية بشأن قيادة القوات وإدارة التجهيزات واستخدامها والرقابة عليها.
كما أن تعدد مراكز القرار داخل المؤسسات الاتحادية ومؤسسات الإقليم يجعل الاتفاق الرسمي غير كافٍ أحيانًا لضمان التنفيذ. ولهذا تُبنى الثقة عبر التزامات يمكن متابعتها: جداول للتجهيز والصيانة، وتبادل للإنذار، وإجراءات للاستجابة للهجمات والتحقيق فيها، وقنوات لمعالجة التعطيل. ويكون الاختبار الأهم هو استمرار هذه الوظائف عندما يتجدد الخلاف السياسي أو المالي.
شراكة أمريكية تتغير
لا تثبت المغادرة العسكرية انتهاء العلاقة مع واشنطن. ففي الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر أعلنت حكومة الإقليم لقاء بارزاني بالقنصل العام الأمريكي، ومناقشة العلاقة بعد انتهاء مهمة التحالف. وهو دليل على استمرار التواصل، لكنه لا يحدد وحده مقدار الدعم الدفاعي اللاحق.
تستطيع الولايات المتحدة مواصلة التأثير عبر الدبلوماسية والتدريب والتعاون الاستخباري والاستثمار. غير أن لكل أداة حدودًا مختلفة. فوجود مصالح اقتصادية أمريكية قد يزيد الاهتمام باستقرار الإقليم، لكنه لا ينشئ تلقائيًا التزامًا بالتدخل العسكري لحمايته.
وعليه، فإن مستقبل العلاقة يحتاج إلى انتقال من توقعات واسعة إلى التزامات محددة: ما الذي ستقدمه واشنطن؟ وبأي إطار؟ وكيف يصل الدعم في الوقت الذي تكون فيه الحاجة إليه عاجلة؟
لم تمض على انتهاء المهمة سوى أسابيع قليلة، ولذلك يصعب الحكم على حصيلته النهائية. لكن اتجاه الاختبار واضح: ستُقاس المرحلة بقدرة المؤسسات والشراكات على حماية السكان والإنتاج والخدمات. فاستقرار الإقليم يتطلب قدرة على جعل الحياة الاقتصادية قابلة للاستمرار، حتى حين يبقى الصراع المحيط به مفتوحًا.
18 تشرين الأول/أكتوبر 2026



