مقالات

ســـــــــــوريا بين وحدة الدولة واستحقاقات المستقبل

شــــــــريف علي*

دخلت سوريا، منذ سقوط نظام بشار الأسد في8 كانون الأول 2024، مرحلة سياسية جديدة تحمل فرصاً لإعادة بناء الدولة، لكنها تضع السوريين أيضاً أمام استحقاقات معقدة تتعلق بطبيعة السلطة، وشكل النظام السياسي، ومستقبل العلاقة بين المركز والمكونات القومية والمجتمعية. فإسقاط النظام السابق، على أهميته التاريخية، لم يكن نهاية للأزمة السورية بقدر ما كان بداية لاختبار مختلف، عنوانه القدرة على تحويل التغيير السياسي إلى دولة مستقرة، تستند إلى الشرعية الدستورية، وتضمن الحقوق والحريات، وتستوعب التنوع الذي يشكل إحدى أبرز سمات المجتمع السوري .
وبعد مرور قرابة عامين على سقوط النظام، لم يعد السؤال الأساسي متعلقاً بمن يتولى السلطة في دمشق فحسب، بل بطبيعة الدولة التي يجري تأسيسها، ومدى قدرتها على تجاوز إرث الاستبداد والصراع، ومنع إعادة إنتاج أسبابهما بأدوات جديدة. فالمستقبل السوري يتوقف على ما إذا كانت المرحلة الانتقالية ستؤسس لنظام سياسي قائم على المشاركة والتعددية، أم ستنتهي إلى إعادة تركيز السلطة في المركز من دون معالجة جوهرية للاختلالات التي دفعت البلاد إلى الانقسام والمواجهة.
السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تواجه مهمة مزدوجة : استعادة فاعلية مؤسسات الدولة ووحدتها من جهة، وبناء شرعية سياسية ودستورية تستوعب مختلف السوريين من جهة أخرى. وهاتان المهمتان مترابطتان، لكنهما ليستا متطابقتين، إذ إن استعادة السيطرة الإدارية والأمنية لا تعني بالضرورة تحقق التوافق الوطني، كما أن توحيد المؤسسات لا يكفي وحده لضمان استقرار سياسي طويل الأمد.
وقد شهدت المرحلة الانتقالية خطوات مؤسسية، من بينها انعقاد مجلس الشعب الانتقالي في تموز 2026، بعد اختيار ثلثي أعضائه عبر هيئات انتخابية محلية ,محدودة وتعيين الثلث المتبقي بقرار من الرئيس الانتقالي. غير أن آلية تشكيل المجلس، وحدود صلاحياته، ومدى تمثيله لمختلف القوى والمكونات السورية، تثير تساؤلات بشأن قدرته على أداء دور فاعل في الرقابة والتشريع، والإسهام في بناء نظام سياسي تعددي .
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء مؤسسات تحمل أسماء جديدة فحسب، بل في تغيير طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي تستمد قوتها من احتكار القرار وإخضاع الاختلافات السياسية والاجتماعية لنموذج واحد قد تتمكن من فرض قدر من النظام، لكنها تترك أسباب التوتر قائمة. أما الدولة التي تستند إلى الدستور، واستقلال القضاء، والمساءلة، والمشاركة السياسية، فتمنح وحدتها أساساً أكثر رسوخاً من مجرد السيطرة الأمنية.
ومن هنا، فإن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب مساراً واضحاً نحو دستور توافقي، وانتخابات ذات ضمانات حقيقية، وفصل فعلي بين السلطات، ومؤسسات أمنية وعسكرية خاضعة للقانون. كما يتطلب معالجة آثار الانتهاكات السابقة والحديثة، من دون انتقائية أو عقاب جماعي، لأن العدالة الانتقالية ليست عبئاً على الاستقرار، بل أحد شروط استعادته. فالمصالحة التي تتجاهل حقوق الضحايا قد تؤجل الخلاف ، وقد كان الشعب الكوردي من بين المكونات الاكثر تعرضا لسياسات التمييز والحرمان من الحقوق القومية والثقافية والمدنية في مراحل مختلفة من تاريخ سوريا الحديث، الأمر الذي يجعل معالجة هذه المظالم جزءاً أساسياً من أي مشروع جاد للعدالة الانتقالية وبناء الدولة. .
فالقضية الكوردية تحتل موقعاً محورياً في تحديد طبيعة سوريا المستقبلية، ليس باعتبارها ملفاً محلياً منفصلاً عن بقية القضايا الوطنية، بل بوصفها اختباراً لقدرة الدولة الجديدة على إدارة التنوع القومي والسياسي ضمن إطار دستوري مشترك. حيث الشعب الكوردي جزء أصيل من المجتمع السوري،وشريك تاريخي له، وفي بناء مستقبله يتمتع بحقوق قومية وثقافية ولغوية وسياسية ينبغي الاعتراف بها وضمانها دستورياً، لا تركها رهناً بتفاهمات مؤقتة مرتبطة بتوازنات القوة .
وقد دخلت العلاقة بين دمشق والقوى الكوردية -المسلحة -التي فرضت سيطرتها على المنطقة مرحلة جديدة مع اتفاقات دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة. وشهد عام 2026 تطورات ميدانية وسياسية متسارعة، وصولاً إلى إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية بوصفها قوة عسكرية مستقلة في آب 2026، في سياق عملية الدمج. ومع ذلك، فإن استكمال الترتيبات الإدارية والأمنية لا يحسم وحده القضايا المتعلقة بالحقوق الدستورية، وإدارة المناطق، والتعليم باللغة الكوردية، والتمثيل السياسي، وضمان المشاركة الفعلية في مؤسسات الدولة.
وهنا تبرز ضرورة التمييز بين وحدة الدولة وتوحيد جميع السلطات في مركز واحد. فالوحدة الوطنية لا تستلزم بالضرورة مركزية إدارية وسياسية مطلقة، كما أن اللامركزية لا تعني تلقائياً التقسيم أو الانتقاص من السيادة. ويمكن لنظام لامركزي واضح الصلاحيات ، يستند إلى الدستور والقانون، أن يتيح للمناطق إدارة شؤونها المحلية على جغرافياتها المحددة، ويعزز المشاركة في اتخاذ القرار، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة البلاد ومؤسساتها السيادية.
ولا يتعلق الأمر بفرض نموذج سياسي واحد على جميع السوريين، بل بفتح نقاش وطني جاد حول الصيغة التي تحقق التوازن بين وحدة الدولة وحقوق مكوناتها. فالتجارب المتعددة في إدارة المجتمعات المتنوعة تشير إلى أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد تجاهل الاختلافات، وإنما بتنظيمها ضمن قواعد متفق عليها، تضمن المساواة وتمنع احتكار السلطة أو تهميش أي مكون.
وفي المقابل، تتحمل القوى الكوردية وفي مقدمتها المجلس الوطني الكوردي والقوى المرتبطة بالإدارة الذاتية ومؤسساتها المدنية والعسكرية، مسؤولية بلورة رؤية سياسية واضحة لمستقبل العلاقة مع دمشق، وتوحيد أولوياتها القومية ضمن مشروع سياسي ودستوري قابل للتفاوض ، وتوسيع الحوار مع القوى السورية الأخرى. .
فحماية الحقوق تحتاج إلى موقف سياسي متماسك ، وإلى مؤسسات تمثيلية فاعلة، كما تحتاج إلى ضمانات تمنع تحويل الاتفاقات الأمنية إلى بديل عن التسوية السياسية الشاملة . إن المطلوب هو شراكة وطنية متوازنة، لا تبعية سياسية من جهة، ولا قطيعة دائمة مع الدولة من جهة أخرى.
إلى جانب ذلك لا يمكن قراءة مستقبل سوريا بمعزل عن محيطها الإقليمي والدولي. فالبلاد تقع عند تقاطع مصالح متشابكة، تتداخل فيها حسابات تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية والقوى الأوروبية، فضلاً عن تأثير الملفات الأمنية والحدودية ومكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. وقد جعل هذا التشابك من سوريا ساحة تتجاوز أزماتها حدودها الداخلية، بحيث أصبحت خيارات السلطة الانتقالية مرتبطة أيضاً بقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية من دون التفريط باستقلال القرار الوطني .
وتكشف التطورات في المناطق الكوردية ، والجنوب السوري ، ومناطق أخرى، أن التفاهمات الداخلية تتأثر بدرجات متفاوتة بالمصالح الإقليمية، وأن غياب تسوية وطنية شاملة يترك المجال مفتوحاً أمام الأطراف الخارجية لتوسيع نفوذها أو توظيف الخلافات المحلية في خدمة حساباتها. وفي هذا السياق، تظل التهديدات الأمنية المرتبطة بتنظيم داعش، والتباينات حول مستقبل الوجود العسكري الأجنبي، من الملفات التي تزيد تعقيد المشهد. وقد أشار تقرير مجلس الأمن بشأن سوريا في تشرين الأول 2026 إلى استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تواجه المرحلة الانتقالية .
ولا يعني ذلك أن مستقبل سوريا محكوم بإرادات خارجية، بل إن مساحة القرار الوطني تتسع كلما امتلك السوريون أرضية داخلية متماسكة. فالدولة التي تنجح في بناء مؤسسات شرعية، وتسوية خلافاتها على أساس دستوري، وتوفير ضمانات متكافئة لمكوناتها، تكون أكثر قدرة على التفاوض مع القوى الإقليمية والدولية من موقع يحمي مصالحها. أما استمرار الانقسامات الداخلية، فإنه يمنح الأطراف الخارجية فرصاً أكبر للتأثير في مسارات البلاد، حتى عندما تتباين أهداف تلك الأطراف ومصالحها.
ومن هنا، يمكن تصور مسارات متعددة لمستقبل سوريا؛ فقد تتجه البلاد نحو نظام سياسي أكثر شمولاً، يقوم على التوافق الدستوري واللامركزية والمشاركة، بما يعزز الاستقرار وإعادة الإعمار، أو تتجه نحو استقرار هش نتيجة توسيع سلطة المركز من دون معالجة كافية لقضايا التمثيل والحقوق. أما تعثر التسويات الداخلية وتصاعد التوترات والتدخلات الخارجية، فقد يفتحان الباب أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار. وسيظل تحديد المسار مرهوناً بالخيارات السياسية، ومدى الالتزام بالاتفاقات، والقدرة على بناء تفاهمات وطنية تتجاوز الحسابات الفئوية والآنية.
إن مستقبل سوريا لا يتحدد بمجرد توحيد أراضيها تحت سلطة مركزية، بل بقدرة الدولة على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة، وترسيخ الشرعية الدستورية، وضمان الحقوق والحريات والمساواة بين مواطنيها ومكوناتها. فالدولة التعددية التي توزع الصلاحيات بوضوح، وتحتكم إلى القانون، وتستوعب التنوع القومي والسياسي، تكون أكثر قدرة على حماية وحدتها وتعزيز استقلال قرارها الوطني.
وتبقى القضية الكوردية اختباراً أساسياً لجدية هذا التحول؛ فالاعتراف الدستوري بالحقوق القومية والثقافية واللغوية والسياسية للكورد، وضمان مشاركتهم الفعلية في مؤسسات الدولة، يتيحان بناء شراكة وطنية مستقرة، سواء من خلال اللامركزية السياسية الموسعة أو نموذج فيدرالي يحظى بتوافق وطني وضمانات دستورية. أما تجاهل هذه الحقوق أو اختزالها في ترتيبات أمنية مؤقتة، فيهدد بإعادة إنتاج أسباب الصراع. فالوحدة المستندة إلى الرضا والعدالة والشراكة أكثر رسوخاً من الوحدة المفروضة بالقوة، وهي الأساس لبناء سوريا مستقرة تتسع لجميع أبنائها.
——————- 17 أكتوبر 2026 ————-
* كاتب سياسي

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى