مقالات

القضية الكردية ليست ملكاً للأحزاب ولا لهذا السكرتير أو ذاك! أزمة السياسة الكردية في سوريا: حين تتحول الأحزاب من أدوات للتحرر إلى قيود على التغيير

شادي حاجي

ليست المشكلة الأساسية في السياسة الكردية في سوريا نقص الشعارات، ولا غياب الحديث عن الوحدة والديمقراطية والحقوق القومية. المشكلة أعمق وأكثر إحراجاً: عقلية حزبية تتحدث عن التغيير، لكنها لا تريد تغيير نفسها، تطالب بالديمقراطية، لكنها لا تطبقها بالضرورة داخل أحزابها، وتدعو إلى وحدة الصف، فيما تعجز عن بناء قواعد مستقرة لإدارة خلافاتها.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في اختلاف الأحزاب، فالاختلاف حق سياسي طبيعي، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى صراع على احتكار التمثيل والقرار والشرعية. وهنا تتحول القضية القومية، التي يُفترض أن تكون مساحة جامعة، إلى ميدان للتنافس التنظيمي وحسابات النفوذ.

حين يصبح بقاء الحزب أهم من القضية التي تأسس من أجلها، يكون قد بدأ يفقد مبرر وجوده السياسي.

المشكلة ليست في الوجوه وحدها

لقد اعتادت الحياة الحزبية التعامل مع الأزمات من خلال تغيير بعض الأشخاص، أو إطلاق مبادرات جديدة، أو إعادة صياغة الخطاب السياسي. لكن هذه الإجراءات تظل محدودة الأثر إذا بقيت العقلية التي تُنتج الأزمة من دون مراجعة.

فما قيمة تغيير القيادة إذا ظلت الطاعة أهم من الكفاءة؟ وما جدوى الحديث عن الديمقراطية إذا بقي القرار محصوراً في دوائر مغلقة؟ وما معنى المساءلة إذا كانت القيادة هي التي تحدد حدود النقد، وتقرر من يحق له الاعتراض، وتحتكر تفسير مصلحة الحزب والقضية معاً؟

المشكلة، إذاً، لا تكمن في الأشخاص وحدهم، بل في منظومة تجعل الولاء التنظيمي معياراً للترقي، وتتعامل مع النقد باعتباره تهديداً، ومع المنافسة باعتبارها خطراً، ومع الاعتراف بالخطأ باعتباره ضعفاً.

إن تغيير الوجوه مع الإبقاء على العقلية نفسها ليس إصلاحاً، بل إعادة إنتاج للأزمة.

لا أحد يملك القضية الكردية

ينبغي وضع حد سياسي وأخلاقي لفكرة أن حزباً بعينه، أو قيادة بعينها، يمتلك حقاً حصرياً في تمثيل الكرد في سوريا.

فالقضية الكردية ليست ملكاً تنظيمياً، ولا إرثاً سياسياً قابلاً للاحتكار، ولا تفويضاً أبدياً تمنحه التضحيات السابقة لأي قيادة. إنها قضية شعب له حقوق ومصالح وتطلعات متعددة، ولا يجوز اختزاله في حزب أو برنامج أو رؤية سياسية واحدة.

لا تمنح الشرعية التاريخية حصانة دائمة، ولا تعفي التضحيات من المساءلة، ولا تجعل القرارات السابقة فوق النقد. فالتاريخ يُحترم بمراجعة التجربة والتعلم منها، لا بتحويله إلى وسيلة لإسكات الأسئلة المشروعة.

ومن حق الشعب الكردي أن يسأل أحزابه وقياداته: ماذا حققتم؟ وأين أخفقتم؟ ولماذا تعثرت تفاهماتكم؟ ولماذا ينبغي أن تستمر الثقة بكم إذا لم تخضعوا للمراجعة والمحاسبة؟

هذه ليست أسئلة موجّهة ضد القضية الكردية، بل هي أسئلة تهدف إلى حمايتها من الاختزال والاستغلال.

الديمقراطية تبدأ من داخل الحزب

لا يمكن لقيادة أن تجعل الديمقراطية مطلباً موجهاً إلى الدولة، ثم تتعامل معها داخل حزبها باعتبارها مسألة ثانوية أو إجراءً شكلياً.

فالديمقراطية ليست مؤتمراً دورياً تُجدَّد فيه شرعية القيادة مسبقاً، ولا انتخابات شكلية لا تتكافأ فيها فرص المنافسة، ولا لوائح داخلية جميلة لا تجد طريقها إلى التطبيق.

إنها تداول فعلي للمسؤولية، وحق في المعارضة، واستقلال لآليات الرقابة، وشفافية في اتخاذ القرار، ومساءلة لا تستثني أحداً بسبب تاريخه أو موقعه أو نفوذه.

ومن منظور سيادة القانون، لا تكفي النوايا المعلنة؛ فلا بد من قواعد واضحة، وصلاحيات محددة، وإجراءات عادلة، وضمانات تمنع تحوّل السلطة التنظيمية إلى سلطة بلا رقابة.

فمن لا يقبل مبدأ المحاسبة داخل حزبه، لا يستطيع أن يجعل المحاسبة السياسية قيمة راسخة في مشروعه العام.

الوحدة ليست ذريعة لإلغاء التعددية

لقد أصبحت الدعوة إلى الوحدة، في كثير من النقاشات السياسية، شعاراً سهلاً يصعب الاعتراض عليه. لكن الوحدة التي لا تقوم على الاعتراف المتبادل، والتمثيل العادل، وقواعد واضحة لاتخاذ القرار، قد تتحول إلى مطالبة الآخرين بالتنازل، بدلاً من أن تكون شراكة حقيقية.

ليس المطلوب أن تتطابق الأحزاب الكردية في رؤاها، ولا أن تتخلى عن اختلافاتها الأيديولوجية والسياسية. المطلوب أن تتفق على كيفية إدارة هذه الاختلافات، وأن تضع مصلحة الشعب وحقوقه فوق الرغبة في احتكار القرار.

فالتعددية ليست نقيض الوحدة، والخلاف ليس خيانة، والتسوية ليست هزيمة بالضرورة. إنما يكمن الخطر في أن يصبح كل حزب مقتنعاً بأنه وحده يمتلك الحقيقة والشرعية، وأن الآخرين لا يستحقون المشاركة إلا إذا قبلوا شروطه.

الإصلاح الحقيقي له ثمن

لا يمكن تغيير العقلية الحزبية بالمواعظ وحدها. فالإصلاح الحقيقي يقتضي التخلي عن امتيازات، وتقييد صلاحيات، وقبول منافسة حقيقية، وإتاحة المجال أمام قيادات جديدة، والخضوع لقواعد لا تستطيع القيادة تعديلها بما يخدم مصالحها الآنية.

ويقتضي الإصلاح أيضاً مراجعة التجارب السابقة بجدية، ونشر نتائجها، وتحديد المسؤوليات، ووضع آليات ملزمة لتنفيذ الاتفاقات، وإشراك المستقلين والشباب والنساء ومؤسسات المجتمع المدني في النقاش العام.

أما الاكتفاء بخطاب جديد، مع الإبقاء على أساليب العمل القديمة، فليس سوى محاولة لتجميل الواقع بدلاً من تغييره.

ولا بد هنا من التمييز بين النقد السياسي والحكم القانوني؛ فالمساءلة عن الإخفاقات السياسية حق مشروع، أما إثبات المخالفات القانونية فيتطلب وقائع وأدلة وإجراءات عادلة. فلا إصلاح بلا مساءلة، ولا مساءلة قانونية عادلة بلا ضمانات.

الخاتمة: من يحمي القضية من احتكار الأحزاب؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه القضية الكردية ليس تعدد الأحزاب، بل تحوّل التنافس الحزبي إلى غاية تتقدم على الحقوق والمصالح العامة. وليس الخطر في اختلاف القيادات، بل في غياب قواعد ديمقراطية تجعل الاختلاف منتجاً، والسلطة قابلة للمراجعة، والشرعية قابلة للتجديد.

المطلوب ليس حزباً جديداً يكرر الأخطاء القديمة، ولا قيادة جديدة ترث الامتيازات نفسها، ولا بياناً آخر يَعِد بالإصلاح من دون أن يحدد كيف سيتحقق.

المطلوب هو تغيير قواعد اللعبة السياسية: إنهاء احتكار التمثيل، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وإخضاع القيادة للمساءلة، والفصل بين القضية والحزب، وبين المسؤولية العامة والمصلحة التنظيمية.

القضية الكردية أكبر من الأحزاب، وحقوق الشعب الكردي ليست ملكاً لقياداته، والشرعية السياسية ليست امتيازاً دائماً.

ومن هنا، فإن السؤال الحاسم ليس: أي حزب يمثل الشعب الكردي في سوريا أكثر من غيره؟ بل: هل تقبل الأحزاب الكردية، من دون استثناء، أن تخضع هي نفسها للمبادئ الديمقراطية التي تطالب الآخرين باحترامها؟

إذا لم تبدأ الإجابة من داخل الأحزاب، فستظل الدعوات إلى الإصلاح والوحدة والديمقراطية عرضة للتحول إلى شعارات تُستهلك في الخطاب، فيما تستمر الأزمة على أرض الواقع.

إما أن تتغير العقلية الحزبية، فتتغير معها قواعد الممارسة والقيادة، وإما أن تستمر الوجوه والشعارات في التبدل، بينما تبقى الأزمة في مكانها.

وإلى مستقبل أفضل.

 

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

لماذا كانت التضحيات؟

ماجد ع محمد لإبراز الموقف الشخصي من القضايا الساخنة أو الأحداث المهمة، أو لبحث موضوعٍ ما أو التعليق على المجريات الراهنة، يبدأ…