مقالات

التضامن القومي لا يعني التبعية المطلقة

خوشناف سليمان

أثار الجدل حول ملتقى معهد الشرق الأوسط للبحوث (MERI) في أربيل سؤالاً يتجاوز مسألة المشاركين فيه: كيف يمكن الجمع بين التضامن القومي الكردي واستقلالية المواقف السياسية؟ فمنذ انهيار الدولة العثمانية، حافظ الكرد، رغم توزّعهم بين أجزاء وظروف سياسية مختلفة، على روابط قومية وثقافية واجتماعية، لكن ذلك لم يمنع تطور تجارب سياسية متباينة، لكل منها خصوصيتها وأولوياتها. فقد بُني إقليم كردستان العراق عبر عقود من النضال والتضحيات، وأصبح إقليماً شبه مستقل يحدد خياراته السياسية وفق ظروفه، مثلما يحق للكرد في سوريا تقرير مستقبلهم وتحديد أولوياتهم.

ومن هنا، فإن وحدة الانتماء القومي لا تستلزم تطابق المواقف السياسية؛ فالتضامن لا يعني تأييد حزب بعينه، كما أن نقد الخيارات السياسية لا ينبغي أن ينتقص من الحقوق القومية.
وتكشف الخلافات بين الأحزاب الكردية في سوريا مخاطر تغليب الاصطفاف الحزبي على الحوار. ورغم الإعلان عن دمج الإدارة الذاتية وحلّ بنيتها التنظيمية وانضمام قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى الجيش السوري، فإن تجاوز الخلافات يتطلب حواراً يحترم اختلاف التجارب والمصالح.

وينطبق ذلك أيضاً على تجربة «روج آفا»؛ فتضحيات الكرد في مواجهة تنظيم داعش تستحق التقدير، لكنها لا تعفي التجربة السياسية من المساءلة، خصوصاً في ما يتعلق بالحريات والمشاركة والتعامل مع القوى المنافسة. وينبغي أن يستند النقد إلى أدلة واضحة، فاحترام الإنجازات لا يتعارض مع المساءلة، والدفاع عن الحقوق القومية لا يستلزم تأييد جميع الممارسات السياسية .وفي الوقت نفسه، تتطلب حماية حقوق الكرد في سوريا صون هويتهم ولغتهم وثقافتهم، وضمان حرية التنظيم والتعبير والمشاركة السياسية ضمن إطار دستوري يمنع التمييز والإقصاء. فلا يجوز استخدام مفهوم «أخوّة الشعوب» لتهميش الهوية الكردية، كما لا يجوز توظيف الحقوق الكردية لإقصاء المكونات الأخرى. وينبغي أن يمنح الحل الإدارات المحلية صلاحيات وموارد كافية، على أن يُحدَّد شكل النظام، سواء أكان لامركزية موسعة أم فيدرالية، عبر حوار بين الكرد وسائر السوريين، بضمانات دستورية واضحة.

وتتجلى هذه الإشكالية في الجدل حول ملتقى معهد الشرق الأوسط للبحوث (MERI) في أربيل، وما أثاره بشأن تمثيل القوى السياسية الكردية في النقاشات المتعلقة بمستقبل الكرد في سوريا. فقد أسهم إقليم كردستان العراق في دعم حقوق الكرد في سوريا من خلال استضافة الحوارات بين القوى الكردية وتسهيلها. لكن قرارات الجهات التي تنظم الفعاليات السياسية والفكرية على أراضيه لا تعكس بالضرورة توجهات قيادته، وهو ما ينبغي مراعاته عند تقييم مواقف الإقليم.
وقد اقتصر التمثيل الكردي في النقاش المعني على مظلوم عبدي وإلهام أحمد، المرتبطين بالتيار السياسي القريب من حزب العمال الكردستاني، الذي أعلن حلّ نفسه وإنهاء كفاحه المسلح في 12 أيار/مايو 2025، فيما غابت قوى كردية أخرى. ويثير ذلك تساؤلات بشأن معايير اختيار المدعوين ومدى مراعاتها التعددية السياسية، من دون أن يعني ذلك ضرورة دعوة جميع القوى. كما أُثيرت تساؤلات بشأن الخلفية السياسية للجهة المنظمة وعلاقتها بتيار الاتحاد الوطني الكردستاني، ومدى تأثير هذه العلاقة في اختيار المشاركين، وهي مسألة ينبغي تقييمها استناداً إلى معطيات واضحة وأدلة قابلة للتحقق.
في المقابل، انتقد مكتب الرئيس مسعود بارزاني الملتقى بسبب الانتقائية وضعف التمثيل. كما ينبغي أخذ لقاءات مسؤولي الإقليم بمظلوم عبدي وتصريحاتهم الداعمة لحقوق الكرد في سوريا في الاعتبار عند تقييم موقف أربيل، من دون تحميل قيادته مسؤولية خيارات الجهة المنظمة أو اعتبار دعم الحقوق القومية تأييداً لتيار سياسي بعينه.
وعليه، ينصب جوهر النقد على وضوح معايير اختيار المشاركين ومدى مراعاتها تعدد الاتجاهات السياسية، لا على طبيعة الملتقى أو افتراض وجوب إشراك جميع القوى. فالحوار بشأن مستقبل الكرد في سوريا يتطلب إتاحة المجال لوجهات نظر مختلفة، بما يعزز فرص التفاهم ويحدّ من الانطباع بترجيح تيار على آخر.
وتؤكد قضية MERI أن وحدة القضية الكردية لا تستلزم احتكار أي جهة لتمثيل الكرد، كما أن نقد الخيارات السياسية لا ينتقص من حقوقهم أو تضحياتهم. فالتضامن القومي الحقيقي يقوم على الدفاع عن الحقوق والمصالح المشتركة، مع احترام خصوصية كل جزء من كردستان وحقه في تحديد مساره السياسي، بعيداً عن التبعية المطلقة أو الامتناع عن النقد والمساءلة.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى