مقالات

شأن تصاعد التحريض القومي والتكفيري في الحسكة وضرورة حماية السلم الأهلي والحقوق الكوردية

م محفوظ رشيد

في ظل تصاعد خطاب التحريض القومي ضد الشعب الكوردي في مدينة الحسكة، وما يرافقه من تهديدات واستهداف للرموز القومية ومحاولات لزرع الفتنة بين الكورد والعرب، نؤكد المواقف والمبادئ الآتية:
أولًا: رفض التحريض القومي وخطاب الكراهية
ندين كل أشكال التحريض والإقصاء القومي التي تستهدف الشعب الكوردي، سواء في الشارع أو عبر منصات التواصل الاجتماعي. ونحذّر من محاولات تحويل الخلافات السياسية إلى صراع قومي يهدد السلم الأهلي ويضرب أسس التعايش بين مكوّنات المنطقة.
ثانيًا: استهداف الرموز الكوردية استهدافٌ للهوية القومية
إن التهديدات التي سبقت مظاهرة الثاني من تشرين الأول، ومحاولات تصنيف المواطنين بين وطنيين وخونة، إلى جانب استهداف العلم الكوردي، تكشف خطورة خطاب الإقصاء. فالعلم الكوردي رمز قومي لشعب، وليس ملكًا لتنظيم سياسي، واستهدافه يمسّ مشاعر الكورد وكرامتهم وحقهم في التعبير عن هويتهم.
ثالثًا: رفض إعادة إنتاج سياسات الإقصاء والتغيير الديمغرافي
إن ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان ممارسات النظام البعثي، من سياسات الحزام العربي وتغيير التركيبة الديمغرافية إلى محاولات تشويه التاريخ الكوردي وإنكار حقوق الكورد في أرضهم. ونحذّر من تكرار هذه السياسات بأدوات وشعارات جديدة، أو توظيف الخطاب الديني المتشدد لتبرير الإقصاء والاعتداء.
رابعًا: التحريض يخدم الانقسام والتدخلات الخارجية
إن تصاعد التوتر في الحسكة، ولا سيما في حي غويران، يثير مخاوف من استثمار الانقسامات الداخلية لتحقيق أهداف سياسية على حساب استقرار المنطقة. ونحذّر من السياسات التي تسهم في تأجيج الصراع بين الكورد والعرب، بما يتيح للقوى الخارجية، وفي مقدمتها تركيا، توظيف هذا الانقسام للضغط على الحضور الكوردي ومكتسباته.
خامسًا: تحميل السلطة الانتقالية مسؤولياتها
نحمّل السلطة السورية الانتقالية مسؤولية حماية المواطنين، والتصدي لخطاب الكراهية، ومنع التهديدات والاعتداءات، ومحاسبة المسؤولين عنها. فالصمت إزاء التحريض يفاقم المخاطر، والتساهل مع المحرّضين يقوّض الثقة بين المكوّنات ويهدد السلم الأهلي.
إن الحديث عن وحدة سوريا لا يكتسب مصداقيته بالشعارات وحدها، بل يتطلب ضمان الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، ورفض أي تبعية أو حسابات خارجية على حساب مصالح السوريين وحقوقهم.
سادسًا: مصالح العرب والكورد تقتضي رفض الفتنة
نؤكد أن المواجهة ليست مع العرب بوصفهم شعبًا أو مكوّنًا وطنيًا، بل مع الخطابات العنصرية والقوى التي تغذّي الانقسام وتستثمر في الكراهية. فالعرب والكورد معنيون معًا بمواجهة الأزمات المعيشية والخدمية والأمنية، ولا يمكن معالجة هذه الأزمات باختلاق عدو داخلي أو تحويل الخلافات السياسية إلى صراع قومي.
إن التحريض لا يؤمّن الرواتب، ولا يحسّن الخدمات، ولا يحقق الاستقرار؛ بل يضعف المجتمع ويمنح القوى المستفيدة من الانقسام فرصًا إضافية لفرض أجنداتها.
سابعًا: التفاهم لا يعني التنازل عن الحقوق
إن تمسك الشعب الكوردي بالحوار والتعايش لا يعني العجز أو التراجع عن حقوقه القومية والسياسية والمجتمعية. كما أن الخلافات بين القوى الكوردية لا تمنح أي جهة الحق في استباحة الكورد أو الانتقاص من كرامتهم وحقوقهم.
ونؤكد حق المواطنين في الدفاع المشروع عن أنفسهم وحقوقهم، بالوسائل التي يقرّها القانون، وضرورة إخضاع كل من يرتكب اعتداءً أو يحرّض عليه للمساءلة والمحاسبة.
ثامنًا: وحدة سوريا تقوم على الشراكة والعدالة
إننا نؤمن بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء أو الهيمنة أو إنكار خصوصية مكوّناتها، بل على الاعتراف المتبادل، والعدالة، والمساواة، والشراكة الحقيقية بين جميع أبنائها.
وعليه، ندعو إلى وقف التحريض فورًا، وحماية الرموز والحقوق القومية، ومحاسبة المحرّضين والمعتدين، وفتح المجال أمام حوار مسؤول يضمن الاستقرار ويحفظ كرامة جميع المكوّنات.
تاسعًا: دعوة إلى الحكمة وضبط النفس
في ظل الظروف العصيبة والدقيقة التي تمر بها منطقتنا، ندعو أبناء شعبنا إلى التحلي بالحكمة والمسؤولية، وتغليب لغة الحوار والتفاهم، وتعزيز وحدة الصف في مواجهة تصاعد التحريض وخطاب الكراهية، وقطع الطريق أمام كل ما من شأنه تأجيج الفتن أو جرّ مجتمعنا إلى صراعات داخلية. كما نؤكد أهمية التكاتف والعمل المشترك للحفاظ على الأمن والسلم والاستقرار، وصون حقوق الجميع ومصالحهم، بما يعزز التماسك المجتمعي ويحول دون الانزلاق إلى ما لا تُحمد عقباه.
ختامًا:
إن سقوط نظام البعث لا يعني بالضرورة انتهاء ذهنيته، ما لم تُواجَه ممارسات الإقصاء والعنصرية بصورة واضحة وحازمة.
لن تُبنى وحدة سوريا على إذلال الكورد أو إنكار حقوقهم، ولن يكون التعايش غطاءً للصمت عن العنصرية، كما لن يكون الحوار بديلًا عن العدالة والمحاسبة.
إن الطريق إلى سوريا مستقرة يبدأ باحترام حقوق جميع مكوّناتها، ورفض التحريض والكراهية، وضمان ألا يتحول أي شعب إلى هدف للصراعات السياسية أو التدخلات الخارجية.

09 / 10 / 2026

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

100% من القراء أعجبهم المقال
(1 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى