مقالات

يبيعون الفتنة باسم الوطن والعروبة

د. محمود عباس

أخطر تجّار الفتنة هم الذين يحوّلون العروبة إلى امتحان ولاء، ويجعلون كراهية الكورد وسيلةً لإثبات انتمائهم. يصرخون باسم العرب، ثم يطعنون في كلّ عربي يرفض عنصريتهم؛ ويشهّرون بالقيادات والمجتمعات التي لا تخضع لشعاراتهم، كأنّهم يملكون حقّ توزيع شهادات العروبة والوطنية. هؤلاء صادروا اسم العرب ليستخدموه في مشروع تحريض، ولا يحقّ لهم تمثيل شعبٍ كامل.

كما يشوّه التكفيريون الإسلام بتحويله إلى أداة إقصاء، يطعن العروبيون العنصريون في العرب الوطنيين باحتكار اسمهم وتسخير العروبة للتحريض. يلتقي الطرفان على رفض وطنٍ يتّسع لجميع أبنائه، والسعي إلى سلطةٍ مركزية تحتكرها جماعةٌ واحدة؛ ويضيف تحالفهما إلى إقصاء البعث تكفيرًا يمنح الاعتداء تبريرًا دينيًا. أحدهما يحتكر الإيمان، والآخر يحتكر الوطنية، وكلاهما يجرّم المختلف. بهذا المنطق تتلاقى بقايا البعث والتيارات التكفيرية المنحدرة من داعش والنصرة، فتغذّي الفتنة والتبعية الخارجية، وتُجهض هدف الثورة في تحويل سوريا من سلطةٍ فوق السكان إلى وطنٍ لهم. والتحريض ضدّ الكورد في محافظة الحسكة وخاصة في المدينة، واستهداف مكوّنات الساحل وحمص وحماة والدروز، يكشفان خطورة هذا الالتقاء، تُختطف المطالب الوطنية، وتُستبدل بها معارك على هوية السكان وحقّهم في البقاء والمشاركة.

اللغة لا تمنح أحدًا حقّ محو الشعوب الأخرى، مثلما لا يمنح الفقه أو التأويل المذهبي جماعةً حقّ احتكار الإيمان أو تقرير مَن يستحقّ المواطنة. يتحدّث المكسيكي الإسبانية دون أن يصبح إسبانيًا، ويتحدّث كثيرون من سكان أمريكا الأصليين الإنكليزية دون أن تزول هوياتهم. كذلك، لا تجعل العربية سوريا ملكًا لقوميةٍ واحدة، ولا تمنح الأغلبية الدينية حقّ احتكار الدولة وإقصاء الكورد والدروز والسريان والعلويين والإيزيديين من وطنهم. العروبة لا تحتاج إلى إنكار وجود الكورد في جغرافيتهم التاريخية أو حقوقهم القومية بوصفهم ثاني أكبر قومية في سوريا لتثبت وجودها، والإيمان لا يحتاج إلى تكفير المختلف ليؤكّد صدقه؛ الذي يحتاج إلى الإنكار والتكفير هو مشروع الهيمنة.

ومن يضع اسم قبيلةٍ في حسابه لا يحصل على تفويضٍ منها للتحريض. قيمة الانتماء في الموقف والمسؤولية، لا في استخدام النسب غطاءً للتهديد والتشهير. والعشيرة التي يرفع أحدهم اسمها ليست مسؤولةً تلقائيًا عن خطابه؛ عليه أن يتحمّل هو مسؤولية ما يقوله، وعلى وجهائها أن يرفضوا استغلال اسمها لإشعال الفتنة. اسم القبيلة ليس رخصةً للاعتداء، والعروبة ليست حصانةً للمحرّض.

ما يجري هو محاولة لتحويل الصراع مع الاستبداد إلى مواجهة بين العرب والكورد. يُصرف الغضب عن السلطة وعن الفساد والتبعية، ويُوجَّه إلى الجار المختلف في قوميته. ثم يُطلب من الناس أن يعتبروا خسارة تعايشهم انتصارًا لهويتهم. هكذا يعمل تجّار الفتنة: يختلقون عدوًّا داخليًا، ويتركون المسؤولين عن الخراب خارج المساءلة.

وتستفيد السياسة التركية من هذا الانقسام؛ فكلّ صراعٍ داخلي يضعف قدرة السوريين على تقرير مستقبلهم، ويفتح مجالًا أوسع للوصاية. والقوى المحلية التي توظّف العداء للكورد في خدمة أنقرة تمنحها نفوذًا على مجتمعها، ثم تسمّي ذلك دفاعًا عن سوريا. من يربط قراره بقوةٍ خارجية ويحرّض على أبناء بلده يقوّض الوطن الذي يزعم حمايته.

لن يتحمّل العرب الأصلاء جرائم مَن يتحدّث باسمهم، ولن تُختزل القضية الكوردية في خصومةٍ معهم. المسؤولية تقع على المحرّضين ومن يموّلهم أو يحميهم، أيًا كانت أصولهم وأسماؤهم. هؤلاء يجب كشف خطابهم، وتوثيق تهديداتهم، ومحاسبتهم؛ فلا يُسمح لهم بالاختباء خلف قوميةٍ أو قبيلةٍ أو شعارٍ ديني.

وندائي إلى القبائل العربية، والحراك الكوردي، وسائر السوريين: اقطعوا الطريق على تحويلكم إلى وقودٍ لهذا الصراع. ارفضوا مَن يطلب منكم إثبات هويتكم بإهانة هوية غيركم، ومن يبيعكم الكراهية بدل الحقوق والخدمات واستقلال القرار. لن تُنقَذ سوريا بمحو الكورد، ولن يُصان مستقبل العرب بإخضاعهم لأنقرة. ومَن يشعل الفتنة يجب أن يجد أمامه مجتمعًا يواجهه، وسلطةً تحاسبه، لا شارعًا يصفّق له.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

9/10/2026 م

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى