غير منصف

الحسكة أمام اختبار السلم الأهلي والاندماج الوطني

د. مرشد اليوسف
عانى سكان محافظة الحسكة، بمختلف مكوناتهم القومية والدينية، الأمرّين خلال سنوات الأزمة السورية. فقد عاش الكرد والعرب والسريان والآشوريون وغيرهم تحت وطأة الحرب والخوف وتراجع الخدمات وانعدام الاستقرار، وتحملوا معاً نتائج انهيار مؤسسات الدولة وصعود الجماعات المسلحة وانتشار الفوضى.
واليوم، وبعد سقوط نظام الأسد، تبدو سوريا أمام فرصة تاريخية لاستعادة عافيتها وبناء دولة جديدة تتسع لجميع مكوناتها. والحسكة، بحكم تنوعها القومي والثقافي وموقعها الجغرافي، يمكن أن تكون واحدة من أهم ساحات اختبار هذه المرحلة الجديدة.
غير أن هذا الطريق ليس خالياً من العقبات.
ففي الأيام الماضية شهدت مدينة الحسكة مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بتوسيع سلطة الدولة . وهي مطالب يمكن مناقشتها سياسياً في إطار بناء الدولة. وقد نقلت مصادر مختلفة هذه المطالب، كما أكدت تقارير أن مسار دمج قسد في مؤسسات الدولة السورية دخل بالفعل مرحلة متقدمة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المطالبة بسلطة الدولة إلى خطاب يستهدف مكوّناً سورياً بعينه، أو عندما تتحول المظاهرات إلى مناسبة لإزالة الرموز والكتابات الكردية أو السريانية، أو لإطلاق شعارات يمكن أن تُفهم باعتبارها إقصاءً للآخر.
وقد وثقت تقارير حديثة تمزيق لافتة ساحة السلام المكتوبة بالعربية والكردية والسريانية، كما تحدثت تقارير أخرى عن الاعتداء على رموز كردية ولوحات تعريفية في الساحة.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين أمرين: الدعوة إلى توحيد مؤسسات الدولة، وهي قضية سياسية مشروعة، وبين استخدام هذا الشعار لإضعاف هوية أحد مكونات المحافظة أو استفزازه.
فالدولة الواحدة لا تعني بالضرورة مجتمعاً أحادي الهوية، والسيادة الوطنية لا تتناقض مع الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي. بل إن نجاح الدولة الجديدة يقاس بقدرتها على حماية المواطن المختلف، لا بإجباره على التخلي عن خصوصيته.
ولذلك فإن ما يحدث في الحسكة يجب ألا يُقرأ باعتباره خلافاً عابراً حول لافتة أو شعار. إن السماح بتكرار هذه الممارسات يمكن أن يحوّل الخلاف السياسي إلى احتقان قومي، والاحتقان القومي إلى صراع اجتماعي، خصوصاً في محافظة عاشت أصلاً سنوات طويلة من التوتر والانقسامات.
كما أن وجود جماعات جهادية متطرفة أو جهات ذات ارتباطات إقليمية ومحاولتها استثمار التوتر يزيد في تفاقم المشكلة .
لكن من حق المجتمع، ومن واجب الدولة، أن يتساءلا: من المستفيد من تحويل العلاقة بين العرب والكرد في الحسكة إلى علاقة خوف وشك وعداء؟
فالحسكة لا تحتاج إلى فتنة جديدة.
العرب والكرد في هذه المحافظة ليسوا طارئين على بعضهم، بل عاشوا عقوداً في المدن والقرى والأحياء نفسها، وتشابكت بينهم المصالح والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولذلك فإن محاولة تصوير الخلاف السياسي على أنه صراع بين العرب والكرد ستكون خطأً تاريخياً وسياسياً بالغ الخطورة.
ومن هنا تأتي مسؤولية الحكومة السورية بصورة خاصة في هذه المرحلة.
إذا كانت الدولة تريد فعلاً إنجاح الاندماج الكردي داخل مؤسسات الدولة، فعليها أن تحمي هذا المسار من الطرفين: من أي مظاهر مسلحة أو إدارية خارج مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه من أي خطاب إقصائي يريد أن يجعل اندماج الكرد مرادفاً لإلغاء هويتهم وحقوقهم.
فالاندماج الحقيقي لا يعني ذوبان الكرد، كما أن الحفاظ على الخصوصية الكردية لا يعني تقسيم سوريا.
والمعادلة الأكثر استقراراً هي دولة سورية واحدة، ومؤسسات وطنية واحدة، مع احترام التنوع القومي والثقافي واللغوي وحقوق الإدارة المحلية.
وإذا كانت الحكومة قد أعلنت اليوم، خلال فعالية رفع العلم السوري في ساحة السلام، أن الهدف هو التأكيد على السلام بين مكونات الحسكة واستكمال إجراءات الاندماج وتقديم الخدمات للسكان، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الرسالة سيكون في حماية هذا السلام على الأرض، ومنع أي طرف من تحويل الساحة العامة إلى مكان للاستفزاز القومي.
وغداً، الجمعة، ستكون المسؤولية أكبر.
فالمطلوب ليس منع الناس من التعبير السلمي عن مطالبهم، وإنما منع التحريض والاعتداء على الرموز والهويات، وحماية جميع المواطنين، وتطبيق القانون على كل من يحاول تحويل التظاهر إلى وسيلة لإثارة الكراهية بين مكونات المحافظة.
إن الحسكة تحتاج اليوم إلى التهدئة لا الاستفزاز، وإلى بناء الثقة لا هدمها، وإلى الاندماج لا الإقصاء.
وسوريا التي تريد أن تتعافى بعد سنوات الحرب لا تستطيع أن تسمح بإعادة إنتاج الصراع داخل مكوناتها. فالنجاح في الحسكة لن يكون في أن ينتصر العرب على الكرد أو الكرد على العرب، وإنما في أن ينتصر الطرفان معاً لفكرة الدولة السورية التي تحمي الجميع.
إن الحفاظ على السلم الأهلي في الحسكة ليس قضية كردية فقط، ولا قضية عربية فقط، إنه قضية سورية بامتياز.

هل وجدت هذا المقال مفيدًا؟

رأيك يساعدنا في تحسين المحتوى

0% من القراء أعجبهم المقال
(0 تقييم)
0 0 الأصوات
Article Rating
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 Comments
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت

مقالات أخرى

الحسكة تحت التحريض

د. محمود عباس ما يجري في مدينة الحسكة، ذات الأغلبية الكوردية، من تحريضٍ ضدّ الشعب الكوردي، في الشارع وعلى منصّات التواصل الاجتماعي،…